نشرت في •آخر تحديث
تشكّل إزالة الألغام من مضيق هرمز أحد أكثر الملفات أهمية ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة، غير أن التفاصيل المتعلقة بهذا الممر الحيوي تشهد تضارباً حاداً في الروايات بين الطرفين. فبينما يؤكد الرئيس دونالد ترامب إزالة الألغام بالكامل، تنفي طهران ذلك، متشبثة بأنها وحدها من يعلم مواقعها الحقيقية.
اعلان
اعلان
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” عن عملية عسكرية سرية نفذتها قوات النخبة البحرية الأميركية، استمرت أربعة أشهر تحت جنح الظلام، بهدف إزالة الألغام التي زرعتها إيران في مياه المضيق، ونقلت الصحيفة عن مصادر خاصة أن فرقاً من غواصي “نافي سيلز” كانوا يُرسلون سراً إلى المنطقة، مزودين بقوارب روبوتية ومركبات تحت الماء متخصصة، لتنفيذ مهمة معقدة توزعت على ثلاث مراحل رئيسية.
مراحل المهمة
المرحلة الأولى، تضمنت إرسال فرق غوص صغيرة باستخدام قوارب قابلة للنفخ، وكانت هذه الفرق تعمل ليلاً في مياه المضيق شديدة الخطورة.
وفي المرحلة الثانية، تم استخدام قوارب روبوتية ومركبات غوص متطورة، مثل “المركبة السطحية غير المأهولة” التابعة للبحرية الأميركية، والمزودة بأجهزة سونار عالية الدقة، وهذه الأجهزة قادرة على مسح قاع البحر بدقة متناهية ورصد أي أجسام مشبوهة.
أما المرحلة الثالثة، فاعتمدت على أجهزة استشعار جانبية يمكنها رصد الألغام في قاع المحيط بدقة مذهلة، مما يسمح للقوات بتحديد مواقع الألغام بدقة قبل الشروع في تدميرها.
ويشرح بيل هامبليت، قبطان بحري أميركي متقاعد، للصحيفة أن هذه العملية غالباً ما تتبعها أخطر خطوة، حيث ينزل غواص البحرية إلى الماء، ويقترب من اللغم، ثم يضع شحنة ويفجره، ويصف هامبليت القوة المستخدمة بأنها صغيرة جداً وخفيفة الوزن، مرجحاً أن تكون العمليات قد انطلقت من القاعدة البحرية المتنقلة “يو إس إس ميغيل كيث” المنتشرة في مياه الخليج.
أما بريان كلارك، خبير نزع الألغام في معهد هدسون، فيشير إلى إمكانية استخدام مركبات غوص روبوتية لتدمير الألغام، مثل النظام البريطاني “سي فوكس” أو الأميركي الأحدث “آرشر فيش”.
لكن التحدي الأكبر، وفقاً للصحيفة، ليس تقنياً، بل يتعلق بحرب الروايات بين الطرفين، إذ رفضت طهران الادعاءات الأميركية بإزالة كافة الألغام، معتبرة أن لا أحد يعرف مواقعها سواها، على حد قول نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، وفي تناقض لافت، جاء تصريح مركز المعلومات البحرية المشتركة، التابع للبحرية الأميركية، في اليوم نفسه الذي أعلن فيه ترامب تطهير المضيق، محذراً من خطر مستمر من الألغام المنجرفة أو غير المحددة، مما يشير إلى احتمال بقاء بعضها، وهذا التضارب في الروايات انعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.
وبحسب التقرير، يكفي التلميح بوجود ألغام، لإخافة شركات الشحن ورفع أقساط التأمين إلى عشرة أضعاف تكلفة ما قبل الحرب، وهذا يعني أن ناقلة نفط عملاقة قد تدفع نحو عشرة ملايين دولار لتأمين رحلة واحدة، وقد انخفضت أسعار النفط بنحو 5% بعد إعلان ترامب، لكنها سرعان ما عاودت الارتفاع مع استئناف الضربات، مما يعكس هشاشة الثقة باستقرار المضيق.
وتمتلك طهران آلاف الألغام من نوع “ماهم”، وزعمت وسائل إعلامها أن ناقلتي نفط على الأقل اصطدمتا بألغام الأسبوع الماضي، مع تأكيد متحدث عسكري إيراني أن طهران زرعت المزيد منها قرب عُمان، ويعلق إيثان كونيل، خبير الألغام، بأن من الصعب معرفة ما يجب تصديقه، فمن المؤكد أن إيران تحاول إعادة زرع الألغام، لكن القضية الأكبر والأكثر إزعاجاً هي خطر إعادة الزرع نفسه.
وتخلص “فايننشال تايمز” إلى أن حالة الغموض حول الألغام تشكل واحدة من أوراق إيران الرابحة، إذ تستطيع طهران، عبر الترويج لبقاء الألغام، فرض سيطرتها على الملاحة في المضيق، مجبرة السفن إما على الامتثال لـ”سلطة مضيق الخليج الفارسي” التي أنشأتها حديثاً، أو المخاطرة بالإبحار عبر طريق الساحل العُماني، ويختتم القبطان المتقاعد هامبليت قوله إن اللعبة الأكبر هي على الجانب المعلوماتي، وقد تكون هذه المعركة بنفس أهمية، إن لم تكن أكثر، مما يحدث فعلياً في الماء أو في قاع المضيق.


