من ناشطة محلية في سلوفينيا إلى اسم حاضر في أروقة الاتحاد الأوروبي، نجحت عالمة الأنثروبولوجيا السلوفينية نيكا كوفاتش، الفائزة بلقب “امرأة العام” في بلادها عام 2021، في تحويل معهدها “8 مارس” إلى منصة ضغط أوروبية مؤثرة عبر مبادرة “صوتي، خياري” التي أعادت ملف الإجهاض إلى واجهة النقاش السياسي الأوروبي.

اعلان


اعلان

المبادرة، التي طُرحت أمام البرلمان الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول 2025، دفعت المفوضية الأوروبية في مارس/آذار 2026 إلى اتخاذ إجراءات متابعة، لتصبح واحدة من 12 مبادرة فقط نجحت، منذ إطلاق آلية “مبادرة المواطنين الأوروبيين” قبل 14 عامًا، في فرض نفسها على أجندة المؤسسات الأوروبية.

وترى المبادرة أن صعوبة الوصول إلى الإجهاض الآمن في عدد من الدول الأوروبية “لا يهدد صحة النساء الجسدية فحسب، بل يفرض أيضًا أعباء اقتصادية ونفسية إضافية، خصوصًا على الفئات المهمشة وغير القادرة على تحمّل التكاليف”.

وفي خطوة لافتة، دعا البرلمان الأوروبي في ديسمبر الماضي المفوضية إلى إنشاء آلية تمويل طوعية، مدعومة من أموال الاتحاد الأوروبي عبر “الصندوق الاجتماعي الأوروبي+”، تسمح للدول الأعضاء بالمساهمة في توفير خدمات إجهاض قانونية وآمنة للنساء القادمات من دول تفرض قيودًا صارمة على هذه الخدمات.

أداة ديمقراطية ما زالت مجهولة

تقول نينو كافيلاشفيلي، سفيرة “مبادرة المواطنين الأوروبيين”، إن حملة “صوتي، خياري” نجحت في تحويل قضية الإجهاض إلى “مسألة صحة عامة أوروبية”، مضيفةً أن الملف “ربما لم يكن ليصل إلى جدول الأعمال الأوروبي لولا هذه المبادرة”.

لكن، ورغم هذا النجاح، تعترف كافيلاشفيلي بأن الأداة الديمقراطية الأوروبية لا تزال محدودة التأثير جماهيريًا. فمنذ إطلاقها، لم تتمكن سوى 12 مبادرة فقط من اجتياز المسار الكامل نحو المؤسسات الأوروبية، في وقت لا يدرك فيه كثير من الأوروبيين أصلًا أن بإمكانهم التأثير مباشرة على أجندة البرلمان الأوروبي عبر جمع التواقيع.

وتوضح أن أهمية هذه المبادرات لا تكمن فقط في نتائجها التشريعية، بل أيضًا في تكريس فكرة أن “الديمقراطية الأوروبية لا تعمل عبر المؤسسات وحدها، بل تحتاج إلى مشاركة مباشرة من المواطنين”.

مليون توقيع خلال عام

الطريق إلى البرلمان الأوروبي لم يكن سهلًا. فالقواعد الأوروبية تفرض على أصحاب المبادرات توحيد مواطنين من سبع دول أعضاء على الأقل حول قضية مشتركة، ثم جمع مليون توقيع خلال عام واحد.

وهذا ما فعلته نيكا كوفاتش وفريقها، إذ نجحت حملة “صوتي، خياري” في جمع أكثر من 1.1 مليون توقيع من عدة دول أوروبية، قبل أن تُسلَّم رسميًا إلى المفوضية الأوروبية في سبتمبر/أيلول 2025.

وبعد شهر واحد فقط، التقى منظمو الحملة مفوضة الاتحاد الأوروبي للمساواة، حاجة لحبيب، لعرض مطالبهم، قبل أن تُناقش المبادرة لاحقًا داخل البرلمان الأوروبي بحضور سياسي وإعلامي واسع.

وترى كافيلاشفيلي أن هذه اللحظة تحديدًا هي “النقطة التي تبدأ عندها السياسة بالتحرك فعليًا”، لأن القضية تتحول من حملة مدنية إلى ملف سياسي مطروح للنقاش العام.

استجابة أوروبية… من دون تشريع ملزم

ورغم أن المفوضية الأوروبية ملزمة بالرد على المبادرات الناجحة خلال ستة أشهر، فإنها ليست ملزمة بتقديم مشروع قانون جديد. لذلك، فإن تأثير مبادرة “صوتي، خياري” بقي حتى الآن في إطار الضغط السياسي وإعادة ترتيب الأولويات داخل الاتحاد.

لكن، بحسب كافيلاشفيلي، فإن قيمة هذه المبادرات تكمن في قدرتها على “إطلاق النقاشات السياسية وتغيير المزاج العام”، حتى لو لم تؤدِ مباشرة إلى تشريعات فورية.

تحمل تجربة نينو كافيلاشفيلي نفسها بُعدًا شخصيًا. فهي تنحدر من جورجيا، الدولة غير العضو في الاتحاد الأوروبي، ولم تحصل على الجنسية الألمانية إلا مؤخرًا، ما أتاح لها للمرة الأولى المشاركة المباشرة في هذه الآلية الديمقراطية.

وتقول إن هذه التجربة جعلتها تدرك “قيمة الحق في المشاركة السياسية داخل الاتحاد الأوروبي”، معتبرةً أن هذا الحق “لا ينبغي اعتباره أمرًا مفروغًا منه”.

وتدعو كافيلاشفيلي إلى إعادة التفكير في استراتيجيات التواصل الخاصة بالمبادرات الأوروبية، عبر استخدام أوسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتنظيم حملات توعية داخل المدارس، مؤكدةً أن نجاح أي مبادرة يحتاج إلى “شبكات محلية قوية” وإلى ترجمة ثقافية ولغوية قادرة على مخاطبة مواطني دول مختلفة.

ديمقراطية أوروبية تحت الاختبار

يأتي هذا النقاش في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي الأوروبية إلى استمرار الدعم الشعبي لفكرة الديمقراطية. فبحسب “مرصد الديمقراطية 2026” الصادر عن مؤسسة برتلسمان الألمانية، أبدى 82% من المشاركين نظرة إيجابية إلى القيم الديمقراطية، بينما شهدت انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024 نسبة مشاركة مرتفعة بلغت أكثر من 50%.

وترى كافيلاشفيلي أن هذه المؤشرات تعكس حاجة الأوروبيين إلى “رفع صوت الديمقراطية”، مضيفةً أن فكرة تعاون مواطنين من دول مختلفة لبناء قضية مشتركة “تمثل جوهر المشروع الأوروبي”.

وفي الوقت الراهن، توجد 129 مبادرة مسجلة لدى المفوضية الأوروبية، تتناول ملفات متنوعة تشمل النقل، والرفق بالحيوان، وحظر الفراء، في مؤشر على اتساع استخدام المواطنين الأوروبيين لهذه الأداة السياسية رغم تعقيداتها.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version