بقلم: يورونيوز
نشرت في
في ظل تصاعد الجدل حول مستقبل غرينلاند، وتكرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التأكيد أن السيطرة على الجزيرة تمثل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة، عادت هذه المنطقة القطبية الغنية بالمعادن إلى واجهة التوترات بين واشنطن وكوبنهاغن، وسط استبعاد رسمي لسيناريو الغزو، مع بقاء كل الاحتمالات مطروحة نظريًا.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة الغارديان مقالًا استعرضت فيه خمسة خيارات يمكن أن تلجأ إليها الولايات المتحدة لتحقيق هدفها في غرينلاند، تتراوح بين الشراء والاستمالة السياسية، والاتفاقات الخاصة، والاستفادة من المعاهدات القائمة، وصولًا إلى الخيار العسكري.
الشراء
يشير المقال إلى أن فكرة شراء غرينلاند ليست جديدة. فقد طُرحت للمرة الأولى عام 1867، بعد شراء الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا، ثم أُعيد النظر فيها عام 1910. وفي عام 1917، اشترت واشنطن من الدنمارك ما يُعرف اليوم بجزر فيرجن الأميركية مقابل 25 مليون دولار.
ومع انطلاق الحرب الباردة، قدمت إدارة الرئيس هاري ترومان عرضًا رسميًا عام 1946 لشراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار، معتبرة أن غرينلاند كانت “عديمة القيمة تمامًا بالنسبة إلى الدنمارك”، وأن السيطرة عليها “لا غنى عنها لأمن الولايات المتحدة”. ولم يُكشف عن هذا العرض إلا عام 1991.
ورفضت كوبنهاغن العرض، ومنذ عام 2019، عندما عبّر ترامب للمرة الأولى عن اهتمامه بالجزيرة، أكدت كل من الحكومتين الدنماركية والغرينلاندية مرارًا أن غرينلاند ليست للبيع. ومع ذلك، تشير الصحيفة إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أبلغ أعضاء في الكونغرس هذا الأسبوع أن الهدف ما زال شراء الإقليم.
وتلفت الغارديان إلى أن خبراء قانونيين ودستوريين يؤكدون أن الحقبة التي كانت فيها الدول تشتري أو تقايض أراضي دول أخرى وشعوبها قد انتهت، وأن مبدأ تقرير المصير في القانون الدولي يجعل أي عملية بيع مباشرة شبه مستحيلة.
وبموجب قانون الحكم الذاتي لعام 2009، يحق لسكان غرينلاند إجراء استفتاء على الاستقلال، ويعود القرار إلى نحو 57 ألف نسمة لتحديد مستقبلهم. ويُظهر استطلاع أُجري في كانون الثاني/يناير أن 85 في المئة من السكان لا يرغبون في أن تصبح بلادهم جزءًا من الولايات المتحدة، مقابل 6 في المئة فقط يؤيدون ذلك.
استمالة غرينلاند
توضح الغارديان أن مشاعر سكان غرينلاند تجاه وعود ترامب باستثمار مليارات الدولارات في الجزيرة أقل وضوحًا. فاستطلاعات الرأي، رغم محدوديتها في مجتمعات صغيرة، تشير إلى انقسام شبه متساوٍ بين من يرون هذه الوعود تهديدًا، ومن يعتبرونها فرصة.
ويرى المقال إن الخطوة الأولى في هذا المسار بدأت بالفعل، من خلال حملة لكسب القلوب والعقول، عبر الاستثمار في التنمية الاقتصادية والتعليمية، وتعزيز العلاقات الدبلوماسية. وقد أُعيد فتح القنصلية الأميركية في نوك عام 2020، كما جرى تعيين مبعوث خاص إلى غرينلاند الشهر الماضي.
وتشتبه الدنمارك في أن واشنطن تعتمد أيضًا أساليب أكثر سرية، بما في ذلك حملة تأثير مزعومة تهدف، بحسب كوبنهاغن، إلى تشجيع حركة الاستقلال المتنامية في الجزيرة، وهي حركة تحظى بدعم غالبية واسعة، وإن اختلفت الآراء حول توقيت الاستقلال.
ومع فوز استفتاء على الاستقلال وموافقة البرلمان الدنماركي عليه، تشير الغارديان إلى أن مرحلة عقد الصفقات قد تبدأ. وخلال زيارة إلى نوك في آذار/مارس، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إنه يأمل أن يختار الغرينلانديون المستقلون “الشراكة مع الولايات المتحدة”.
وتشدد الحكومة الائتلافية الحالية في غرينلاند، المؤلفة من أربعة أحزاب، على أن الجزيرة تعود لشعبها. أما حزب ناليراق المعارض، الذي حل ثانيًا في انتخابات العام الماضي، فيؤيد الاستقلال أيضًا، لكنه أكثر انفتاحًا على الحوار مع واشنطن. وقال زعيم الحزب بيلي بروبرغ إنه غير قلق من تهديدات ترامب الأخيرة، مؤكدًا ثقته بأن الولايات المتحدة ستحمي غرينلاند كدولة مستقلة.
توقيع اتفاق “ارتباط حر”
تنقل الغارديان عن مسؤولين في واشنطن أن الإدارة تعمل منذ أشهر على إمكانية إبرام “ميثاق ارتباط حر”، على غرار الاتفاقات التي تربط الولايات المتحدة بعدد من دول جنوب المحيط الهادئ الصغيرة، ومنها جزر مارشال.
وبموجب هذا النوع من الاتفاقات، تحتفظ الدولة الصغيرة باستقلالها، وتحصل على ضمانات أمنية من واشنطن، إضافة إلى اتفاق تجاري محتمل ومربح من دون رسوم جمركية، في مقابل منح الجيش الأميركي حرية شبه كاملة للعمل في منطقة ذات أهمية استراتيجية.
وترى الصحيفة أن كثيرًا من المحللين يعتبرون هذا السيناريو الأكثر واقعية على المدى الطويل، إذ قد يرى قادة غرينلاند، بعد الاستفتاء، في مثل هذا الاتفاق وسيلة للجمع بين الاستقلال والمكاسب الاقتصادية.
الاعتماد على الاتفاقات القائمة
تلفت الغارديان إلى أن أحد أوجه الغموض في التوترات الأخيرة حول غرينلاند هو أن الولايات المتحدة تمتلك أصلًا وصولًا عسكريًا واسعًا إلى الجزيرة. فالاتفاق الأميركي–الدنماركي لعام 1951 يسمح لواشنطن بـ”إنشاء وتركيب وصيانة وتشغيل” قواعد عسكرية في مختلف أنحاء غرينلاند.
وقد جرى تحديث هذا الاتفاق عام 2004، ليشمل حكومة غرينلاند شبه المستقلة، ويمنح الولايات المتحدة صلاحيات واسعة، من بينها إيواء الأفراد، والتحكم بعمليات الهبوط والإقلاع، والرسو، وتحركات السفن والطائرات ووسائط النقل المائي.
وأشارت كوبنهاغن مرارًا إلى استعدادها للسماح بتوسيع الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة، الذي يقتصر حاليًا على قاعدة بيتوفيك الفضائية في الشمال، حيث يتمركز نحو 500 عنصر بحسب التقارير.
كما وقّعت الدنمارك والولايات المتحدة اتفاقًا آخر في كانون الأول/ديسمبر 2023، دخل حيّز التنفيذ العام الماضي، يمنح واشنطن وصولًا غير مقيّد إلى القواعد الجوية الدنماركية، ويسمح لها بتنفيذ أنشطة عسكرية في الدنمارك ومنها. وللولايات المتحدة اتفاقات مماثلة مع السويد وفنلندا والنرويج.
الغزو العسكري
تختم الغارديان بعرض الخيار الأكثر تطرفًا. فبعض المحللين الأميركيين يرون أن السيطرة العسكرية على غرينلاند لن تكون صعبة من حيث المبدأ، نظرًا لغياب جيش إقليمي، واقتصار الوجود الدنماركي على عدد محدود من السفن والمروحيات وطائرة واحدة لأغراض المراقبة.
لكن محللين دنماركيين يؤكدون أن هذا السيناريو يتجاهل الواقع. فالظروف المناخية القاسية تجعل أي عملية عسكرية بالغة الصعوبة، فضلًا عن التداعيات السياسية الخطيرة. وتحذر رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن أي هجوم أميركي على غرينلاند، المشمولة بعضوية حلف شمال الأطلسي “الناتو”، سيعني نهاية الحلف، وسيقوّض أسس الأمن الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية.
وبحسب الغارديان، يرى خبراء أمنيون أن أي تحرك عسكري أميركي سيؤدي إلى فقدان ثقة الحلفاء، وربما مصادر استخباراتية حيوية، إضافة إلى احتمال مواجهة مقاومة فعلية، في ظل تعزيز الدنمارك حضورها العسكري في الجزيرة.

