كشف الكاتب الإسرائيلي إيتامار آيخنر، في تقرير نشره موقع “واي نت”، عن تصاعد الإحباط داخل دوائر أميركية من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع نقاشات مغلقة تناولت مستقبل قطاع غزة، ووضع إيران، والتطورات في لبنان وسوريا، وفرص تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية.
اعلان
اعلان
واستند التقرير إلى مناقشات جرت خلال النسخة الرابعة من مؤتمر “MEAD”، الذي عُقد خلف أبواب مغلقة في واشنطن، بمشاركة مسؤولين وخبراء يمثلون 24 دولة، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى في الشرق الأوسط، في أكبر تمثيل دولي منذ تأسيس المؤتمر.
وجاء الاجتماع وسط حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل المواجهة مع إيران، واستمرار التهديدات في أنحاء المنطقة، واقتراب الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأميركية، اللتين يُتوقع أن تؤثرا في المرحلة المقبلة من العلاقات بين إسرائيل والبيت الأبيض.
دول لا تقيم علاقات مع إسرائيل تشارك في المؤتمر
بحسب التقرير، أرسلت دول عدة لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ممثلين عنها إلى المؤتمر، مستفيدة من قواعد السرية التي تحكم جلساته منذ تأسيسه.
ويُعقد المؤتمر وفق “قاعدة تشاتام هاوس”، التي تسمح للمشاركين بالتحدث بحرية من دون الكشف عن هوياتهم أو نسبة تصريحاتهم إليهم علناً، ما أتاح طرح مواقف وتقديرات حساسة تعذر نشر كثير من تفاصيلها.
وكان من أبرز المشاركين القائد السابق لسلاح الجو الإسرائيلي، اللواء تومر بار، في أول ظهور له ضمن منتدى دولي منذ مغادرته منصبه، إلى جانب مسؤولين سابقين أدوا أدواراً محورية في الحرب مع إيران.
مسؤول أميركي سابق: حكومة نتنياهو “تمحو قيمة إسرائيل”
نقل آيخنر عن مسؤول رفيع سابق في إدارة الرئيس السابق جو بايدن تقييماً قاتماً لمكانة إسرائيل في السياسة الأميركية، إذ أشار إلى أن الديمقراطيين، إلى جانب كثير من الجمهوريين الشباب، يبتعدون عنها بصورة متزايدة، فيما يتنامى شعور اليهود الأميركيين بالاغتراب تجاهها.
وبرأي المسؤول السابق، تعمل الحكومة الإسرائيلية الحالية على “محو قيمة إسرائيل” في نظر شرائح واسعة من الرأي العام الأميركي.
كما أعرب عن قلقه حيال مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية إذا شكّل نتنياهو حكومة جديدة، معتبراً أن وصول رئيس وزراء آخر قد يساعد على “إعادة ضبط” العلاقة وتخفيف الصعوبات التي تواجهها إسرائيل داخل الولايات المتحدة، حتى لو كان شخصية غير معروفة نسبياً لدى الأميركيين، مثل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت.
مقربون من ترامب: نتنياهو “فقد صدقيته”
وأشار التقرير إلى أن أشخاصاً مقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدثوا، على هامش المؤتمر، عن خيبة أمل عميقة يشعر بها الرئيس وأقرب مستشاريه تجاه نتنياهو.
وبحسب هؤلاء، فإن نتنياهو “فقد صدقيته” في نظرهم بسبب طريقة تعامله مع ملفات غزة ولبنان وسوريا، فيما يتزايد الإحباط منه خلف الكواليس، رغم أنه لم ينعكس حتى الآن في تصريحات علنية.
واستشهد المقربون من ترامب بقرار الإدارة الأميركية عدم إدانة بريطانيا بسبب العقوبات التي فرضتها على إسرائيل، بوصفه مؤشراً إلى هذا الموقف.
كما أعربوا عن غضبهم من تعامل نتنياهو مع خطة ترامب المؤلفة من 20 بنداً لإنهاء الحرب في غزة، والتي قالوا إنها وُضعت بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، متهمين إياه بالسعي حالياً إلى تقويضها.
أما دعم ترامب إصدار عفو عن نتنياهو، الذي يحاكم في إسرائيل بتهم فساد ينفيها، فلا يأتي، وفق هؤلاء، ضمن أي صفقة، بل يعكس تضامن الرئيس الأميركي الشخصي مع حليف سياسي يرى أنه يتعرض للاضطهاد، من دون السعي إلى الحصول على مقابل.
لجنة تكنوقراط وقوة شرطة لإدارة غزة
خُصص جانب كبير من المؤتمر للأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ خطة النقاط العشرين. وتحدث المشاركون عن تحسن مقارنة بالعام الماضي، تمثل في ارتفاع كبير في حجم المساعدات الإنسانية وتراجع حاد في معدل الضحايا.
وبحسب بعض المتحدثين، يعارض نحو 90 في المئة من سكان غزة حركة حماس حالياً، وسط تراجع شعبيتها.
وتتمحور الخطة المقترحة حول تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية تتولى تقديم الخدمات وإدارة القطاع بصورة مؤقتة، إلى جانب هيئة دولية تشرف على تنفيذ الخطة.
وتدعو الخطة أيضاً إلى تجنيد قوة شرطة فلسطينية يتراوح عديدها بين 10 آلاف و12 ألف عنصر وتدريبها. ووفق المعلومات التي عُرضت في المؤتمر، تدقق إسرائيل في مجموعة تضم نحو 220 ألف مرشح، وافقت حتى الآن على قرابة 16 ألفاً منهم.
وفي موازاة ذلك، يجري العمل على تشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار، يُتوقع أن تضم في البداية نحو 2500 جندي من دول عدة، قبل توسيعها بعناصر إضافية تساهم بها دول في أفريقيا وآسيا وأوروبا.
انتقادات لإسرائيل والمجتمع الدولي
وبحسب التقرير، شهد المؤتمر انتقادات حادة لإسرائيل، وسط اتهامات لها بعرقلة دخول القوة الدولية إلى غزة، ومنع دخول لجنة التكنوقراط المنتظرة في القاهرة، فضلاً عن منع أربعة آلاف شرطي فلسطيني من مغادرة القطاع لتلقي التدريب في مصر.
وطالت الانتقادات المجتمع الدولي أيضاً، إذ قال مشاركون إن دولاً كثيرة تلقي باللوم على إسرائيل بسبب الأوضاع في غزة، بينما ترفض هي نفسها استقبال طلاب أو لاجئين من القطاع.
وأظهرت المناقشات أن مسؤولين إسرائيليين لا يرون فرصة كبيرة لموافقة حماس على نزع سلاحها طوعاً، لكنهم يعتقدون بضرورة استنفاد المسار الدبلوماسي قبل اتخاذ إجراءات أخرى.
ويأتي ذلك وسط تحذيرات من الجيش الإسرائيلي من أن الحركة تعيد بناء قوتها وتُخرج أسلحة من مخازنها.
إيران أُضعفت لكن انهيارها ليس وشيكاً
خصص المؤتمر جانباً كبيراً لبحث وضع إيران خلال الأشهر الستة التي أعقبت بدء أحدث جولة من القتال.
وبرز بين المشاركين تقييم عام يفيد بأن الحكومة في طهران تعرضت لإضعاف شديد، وأن الاقتصاد الإيراني يواجه أوضاعاً بالغة الصعوبة، بعدما تراجعت قيمة العملة المحلية إلى نحو 2.3 مليون ريال مقابل الدولار وبلغ التضخم الرسمي قرابة 88 في المئة، فيما يعتقد بعضهم أن المعدل الفعلي أعلى بكثير.
كما تواجه الحكومة صعوبة في دفع رواتب موظفي القطاع العام.
وبحسب التقديرات المعروضة في المؤتمر، يعارض نحو 80 في المئة من الإيرانيين الحكومة، فيما بدأت تظهر مؤشرات إلى تصدعات داخل المؤسستين السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، شدد المشاركون على أنهم لا يتوقعون انهياراً وشيكاً، مرجحين أن يستغرق هذا المسار التدريجي ما بين سنة وثلاث سنوات.
وتحدث بعض المشاركين عن مؤشرات مقلقة تحيط بالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، قائلين إنه أحاط نفسه بعدد من أكثر الشخصيات تطرفاً داخل المؤسسة الإيرانية، وسط تنامي الارتياب والمخاوف على بقاء الحكومة.
مذكرة واشنطن وطهران تحت المجهر
نقل التقرير عن شخص مطلع على الملف وصفه مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران في حزيران بأنها وثيقة “فظيعة”، معتبراً أنها كانت ستتيح تدفق مئات مليارات الدولارات إلى إيران، بما يساعد على الحفاظ على الحكم الحالي وربما يدفع مسارها نحو امتلاك سلاح نووي قدماً.
وبحسب روايته، فشل المتشددون في طهران في تنفيذ الوثيقة بعدما سعوا إلى استسلام أميركي كامل، مدفوعين بما اعتبروه قوتهم. ورأى أن هذا الرفض دفع ترامب إلى إعادة تقييم الموقف وإدراك طبيعة الجهة التي يتعامل معها.
كما أظهرت المناقشات توافق ممثلي عدد من دول الشرق الأوسط، خلف الكواليس، على أن المنطقة تحتاج في نهاية المطاف إلى التخلص من الحكومة الإيرانية المتطرفة، مع إقرارهم بأن تحقيق ذلك غير مضمون ويتطلب كثيراً من الصبر.
وقال المشاركون إن أي هجوم إيراني على إسرائيل سيُقابل برد إسرائيلي قاسٍ يركز على البنية التحتية النفطية الإيرانية، في خطوة يعتقد بعض الحاضرين أنها قد تسرّع انهيار الحكومة.
تفاؤل حذر بشأن لبنان
في الملف اللبناني، عكست المناقشات أجواء من التفاؤل الحذر، إذ وصفت التقديرات المعروضة حزب الله بأنه أضعف بكثير مما كان عليه في السابق.
لكن الحكومة اللبنانية لا تزال، بحسب هذه التقديرات، أضعف من أن تواجهه مباشر.
انقسام إسرائيلي حيال أحمد الشرع
من جهة أخرى، وصف المشاركون المسار في سوريا بأنه إيجابي، رغم أنه لا يزال بعيداً عن الوضع المثالي.
وكشف التقرير عن انقسام داخل إسرائيل بشأن الرئيس السوري أحمد الشرع، إذ يرى فريق أنه شخصية براغماتية ينبغي منحها فرصة، مع السعي إلى التوصل إلى اتفاق أمني مع حكومته، ولكن بـ”حذر وارتياب”.
في المقابل، ينظر إليه فريق آخر، انطلاقاً من ماضيه قائداً لمتمردين إسلاميين، بوصفه “إرهابياً يرتدي بدلة”. غير أن الفريقين يتفقان على أن التطبيع الكامل بين إسرائيل وسوريا لا يبدو واقعياً في الوقت الراهن.
إيران والإخوان المسلمون في مناقشات الخليج
كما كشفت المناقشات المتعلقة بدول الخليج عن قلق مشترك تجاه إيران، إلى جانب انتقادات حادة لجماعة الإخوان المسلمين.
وفي بعض الجلسات، وصف مشاركون الجماعة الإسلامية بأنها أخطر من إيران نفسها، معتبرين أن الحوار مع طهران يظل ممكناً رغم التهديد الذي تمثله.
كما عبّر المشاركون عن رفضهم السماح لأي جهة منفردة بالسيطرة على طرق الشحن الاستراتيجية، مثل مضيقي هرمز وباب المندب، مؤكدين أن السيطرة على هذه الممرات المائية تمثل مشكلة عالمية، وليست إقليمية فحسب.
وتطرقت المناقشات أيضاً إلى استراتيجية أميركية طويلة الأمد لإنشاء خط أنابيب نفطي يتجاوز مضيق هرمز، وتوسيع قدرات التكرير داخل الولايات المتحدة، بهدف تقليص الاعتماد على الممر المائي الاستراتيجي.
العلاقات السعودية الإسرائيلية “أفضل مما تبدو”
بدت التقديرات بشأن توسيع “اتفاقيات أبراهام” متباينة، وسط تشكيك في إمكان تطبيع السعودية علاقاتها مع إسرائيل في المستقبل القريب.
لكن المشاركين شددوا على أن العلاقات بين الرياض وإسرائيل لا تزال “أفضل مما تبدو عليه في العلن”.
وأشاروا إلى أن إدارة ترامب لم تتخلَّ عن طموحها لتوسيع اتفاقيات التطبيع، وأن التطورات الجارية خلف الكواليس قد تثمر بعد الانتخابات.
كما أكدت المناقشات أن التعاون العسكري والاستخباري الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل بلغ مستوى غير مسبوق، حتى عند مقارنته بتحالف واشنطن التاريخي مع بريطانيا.
ملفان قد يتحولان إلى “قنبلتين موقوتتين”
حضر الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل بقوة خلال المؤتمر، إذ قدر المشاركون أن البلاد ستحتاج، بعد الانتخابات المقبلة، إلى تشكيل حكومة موسعة قادرة على معالجة ملفين أساسيين لم يُحسما بعد.
ويتعلق الملف الأول بالتشريع المنظم لتجنيد الرجال الحريديم، أي اليهود المتشددين دينياً، في الجيش، فيما يرتبط الثاني بجهود الحكومة لإعادة هيكلة السلطة القضائية.
ووصف المشاركون الملفين بأنهما قد يتحولان إلى “قنبلتين موقوتتين” إذا لم يُعثر على حل لهما.
كما أشاروا إلى أنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لا توجد ضغوط شعبية كبيرة داخل إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها قواتها حالياً، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة.
ورأى بعض المشاركين في هذا الوضع فرصة لصياغة واقع دبلوماسي جديد في المنطقة قبل أن تملأ أطراف أخرى الفراغ.
الصين والنفط الإيراني
تطرق المؤتمر أيضاً إلى دور الصين، إذ أفادت التقديرات المعروضة بأن بكين لم تعد تشتري النفط الإيراني، رغم أنها كانت تزود طهران سابقاً بالمواد الخام المستخدمة في صناعة الصواريخ مقابل النفط.
وبحسب المشاركين، توجه واشنطن رسائل واضحة إلى بكين بشأن هذا الملف، بالتزامن مع مواصلة فرض عقوبات ثانوية على جهات متهمة بمساعدة إيران على الالتفاف على القيود، بينها مصارف في تركيا وأطراف أخرى في الهند.

