نشرت في
كشفت مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن غياب استراتيجية واضحة لتغيير النظام الإيراني خلال العمليات العسكرية الأخيرة. وأشارت المصادر إلى وجود فجوة بين التوقعات والواقع، حيث تبين أن التعويل على تحرك الشارع الإيراني ضد السلطة كان تقديراً عاطفياً أكثر منه أمنياً، واصفةً تلك الحسابات بأنها “لم تكن مدروسة بما يكفي”.
اعلان
اعلان
وأشارت صحيفة “الغارديان” إلى أن هيكلية النظام الإيراني أظهرت “تماسكاً غير متوقع” رغم مرور أسبوعين على حملة القصف الجوي المكثف واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
ورغم الضغوط العسكرية، نجحت طهران في تفعيل خطة الخلافة بسرعة عبر تعيين مجتبى خامنئي، مما أجهض مراهنات تل أبيب على انهيار السلطة. ويأتي هذا الصمود في وقت بدأ فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراجعة الجدوى من استمرار الحرب، مدفوعاً بتصاعد التكاليف السياسية والاقتصادية والمخاوف من انزلاق المنطقة نحو صراع مفتوح طويل الأمد.
ومع استمرار تماسك هيكلية الحكم في طهران، بدأت أوساط أمنية في تل أبيب تعيد تعريف “معايير النجاح” في هذه الحرب، حيث يرى مسؤولون أن تدمير المنشآت العسكرية التقليدية ليس كافياً ما لم يتم حسم مصير 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب.
وتحذر هذه الأوساط من أن بقاء هذا المخزون، الكافي نظرياً لإنتاج أكثر من عشرة رؤوس نووية، قد يدفع القيادة الإيرانية الجديدة لتسريع خطواتها نحو “العتبة النووية” كخيار وحيد لضمان البقاء بعد اغتيال المرشد الأعلى والضربات الجوية الواسعة.
كما حذر عدد من المسؤولين الإسرائيليين السابقين من أن إبقاء اليورانيوم المخصب داخل إيران قد يجعل أي “انتصار عسكري” مكلفا على المدى البعيد، إذ قد ترى القيادة الإيرانية في امتلاك السلاح النووي الضمان الوحيد لبقائها بعد تعرضها لضربات عسكرية قاسية.
وأضفت صور الأقمار الصناعية التي نشرتها “نيويورك تايمز” لمجمع المرشد المدمر في طهران مزيداً من الزخم للتقارير التي تتحدث عن نجاح الاستهداف، رغم الغموض الذي لف مكان تواجد خامنئي لحظة القصف. وترى الصحيفة أن غياب المرشد الأعلى يفتح الباب أمام مرحلة “أشد خطورة” تحت قيادة مجتبى خامنئي، إذ يخشى محللون من أن اندفاع الأخير نحو امتلاك السلاح النووي قد يكون وسيلته لإثبات شرعيته وتأمين النظام في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة مع بقاء مخزون اليورانيوم المخصب (440 كجم) تحت تصرفه.
ورغم التعقيدات النووية والمخاوف الدولية، لا تزال العمليات العسكرية تحظى بتأييد جارف داخل أروقة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. ويرى القادة العسكريون أن أحداث السابع من أكتوبر 2023 مثّلت نقطة تحول في العقيدة الأمنية، حيث انتقلت تل أبيب من سياسة “احتواء التهديدات” إلى استراتيجية “الاستئصال الكامل”.
ووفقاً لهذا المنظور، فإن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية واستهداف قيادات الهرم بمن فيهم المرشد الأعلى، يعد ضرورة حتمية لإزالة أي تهديد وجودي مباشر في أقصر مدى زمني ممكن.
“سنبقى عالقين”
أكدت تقارير صحفية أن الغارات الإسرائيلية ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية العسكرية والصناعية في إيران، حيث شمل الدمار ترسانة الصواريخ ومنشآت الإنتاج، وصولاً إلى استهداف الكوادر البشرية من علماء ومهندسين.
ورغم هذا الشلل العسكري، يرى خبراء أن طموحات بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب في “تغيير النظام” عبر الجو تفتقر إلى الواقعية على المدى المنظور، إذ أدت هذه الدعوات الصريحة إلى تحويل الصراع بالنسبة لطهران من “مواجهة عسكرية” إلى “معركة وجود”، مما دفع القيادة الإيرانية للتمسك بالسلطة بكل الوسائل المتاحة.
وعلى الرغم من حجم الضغوط العسكرية، لا تزال المؤشرات الميدانية تفتقر إلى أي بوادر لانتفاضة شعبية كبرى أو تصدعات في جدار الأجهزة الأمنية الإيرانية. ومع ذلك، يتبنى بعض المراقبين رؤية مفادها أن مفاعيل هذه الحرب قد لا تظهر بشكل فوري؛ بل ستتبلور على المدى البعيد عبر “التآكل البطيء” للاقتصاد المنهك والبنية الأمنية، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض ركائز النظام من الداخل تحت وطأة الاستنزاف المستمر.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه إسرائيل أن تحقيق التفوق العسكري وتدمير القدرات الإيرانية يمثلان أولوية فورية لأمنها، يحذر مراقبون من أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية من دون مسار سياسي موازٍ قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع وزيادة عزلة إسرائيل على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار النفط وتأثر اقتصادات المنطقة بالحرب.
وحذر مسؤول إسرائيلي سابق رفيع المستوى من خطورة “الجمود الاستراتيجي” الذي تعيشه تل أبيب، مؤكداً أن الدولة العبرية تجد نفسها اليوم “غير مستعدة أو ربما غير قادرة” على تحويل تفوقها العسكري الكاسح إلى مكاسب سياسية ملموسة أو تحالفات إقليمية جديدة.
وأعرب المسؤول عن قلقه البالغ من تحول الانتصارات الميدانية إلى عبء استراتيجي، قائلاً: “أخشى أننا سنبقى عالقين في هذا النفق المسدود”، في إشارة إلى غياب رؤية واضحة لإنهاء الصراع.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا متواصلاً منذ 28 فبراير/شباط، مع تنفيذ عمليات عسكرية إسرائيلية وأمريكية ضد إيران أسفرت عن مقتل المئات، من بينهم المرشد الإيراني علي خامئني. وفي المقابل، ردّت طهران بإطلاق دفعات من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، بالتزامن مع استهداف منشآت وقواعد أمريكية في عدة دول عربية.
وبالتوازي، تمكنت عشرات الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله من اختراق الأجواء الإسرائيلية والوصول إلى مناطق مأهولة. ففي منطقتي كريات شمونة وكيبوتس دافنا، تم تسجيل ما لا يقل عن 18 إنذارًا يتعلق بطائرات مسيّرة، تحرك بعضها بحرية لفترة قبل إسقاطه بوسائل تقليدية، سواء بواسطة مروحيات عسكرية أو باستخدام الرشاشات.
ونقلت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن مصادر عسكرية في الجيش قولها إن نسب نجاح اعتراض المسيّرات التي يطلقها حزب الله من لبنان متدنية للغاية، في ظل صعوبات كبيرة تواجه منظومات الدفاع في التعامل معها.

