نشرت في
في وقت تتواصل فيه الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على إيران، وتردّ طهران بهجمات مضادة أسفرت عن سقوط أول قتلى أميركيين منذ بدء العمليات، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطاً متصاعدة لتوضيح رؤيته السياسية والعسكرية لمرحلة ما بعد التصعيد.
اعلان
اعلان
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة الغارديان، فإن غياب خطة معلنة ومحددة الأهداف يثير قلقاً متنامياً في الأوساط السياسية والأمنية في واشنطن.
غموض استراتيجي ومخاوف من انزلاق طويل الأمد
منتقدو ترامب، بحسب الغارديان، يرون أن الإدارة لم تقدم حتى الآن تصوراً واضحاً لمسار الأحداث، ما يفتح الباب أمام احتمال تورط الولايات المتحدة في نزاع ممتد، على غرار حروب سابقة تعهّد ترامب مراراً بتجنب تكرارها.
أليكس فاتانكا، الزميل البارز والمتخصص في الشأن الإيراني في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، قال للصحيفة إن الإدارة، إن كانت تملك خطة، فإنها لم تكشف عنها بعد، مشيراً إلى أن أي توجه حقيقي نحو تغيير النظام في إيران لن يكون مسألة أيام أو أسابيع، بل مشروعاً سياسياً معقداً وطويل الأمد يتجاوز الضربات العسكرية إلى إعادة تشكيل المعادلة الداخلية في طهران.
تُعيد هذه المقاربة، وفقاً لصحيفة الغارديان، فتح المقارنة مع غزو العراق عام 2003، ذلك الغزو الذي سبق لترامب أن وصفه بأنه خطأ استراتيجي، ورغم إعلانه في يونيو/حزيران الماضي أنه دمّر المنشآت النووية الإيرانية عبر سلسلة من الضربات، فإنه لم يقدّم حتى الآن تبريراً سياسياً واضحاً أو رؤية معلنة تشرح أسباب توسيع الهجمات أو تحدد أهدافها النهائية.
خطاب مزدوج: دبلوماسية معلنة وتصعيد ميداني
وأشارت الصحيفة أنه في خطاب حالة الاتحاد الأسبوع الماضي، اكتفى ترامب بالإشارة إلى ما وصفه بتهديدات البرنامج النووي الإيراني وصواريخه الباليستية، مؤكداً تفضيله المسار الدبلوماسي لمعالجة الأزمة، غير أن هذا الخطاب المتحفظ تزامن مع عمليات عسكرية متواصلة، ما عزز الانطباع بوجود فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
كماعبّر ديمقراطيون داخل الكونغرس عن خشيتهم من أن يتحول القرار العسكري إلى مسار مفتوح بلا هدف محدد.
جيم هايمز، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، تساءل في حديث لإذاعة NPR عن الغاية النهائية من استمرار القصف، مشيراً إلى أن التجارب التاريخية لا تقدم أمثلة ناجحة على إسقاط الأنظمة عبر القصف وحده، ولا حتى على قدرة القوات الأمريكية على تنفيذ تغيير للنظام بطريقة مستقرة ومرضية.
هل تغيير النظام خيار واقعي؟
التقرير ينقل عن فاتانكا تحذيره من أن تغيير النظام في إيران يبدو مستبعداً ما لم ينهَر من الداخل تحت ضغط شعبي واسع، أو عبر تدخل مباشر على الأرض، وهو خيار شديد الكلفة سياسياً وعسكرياً، ويرى أن السيناريو الأكثر ذكاءً، إن اختارته واشنطن، قد يكون عبر أدوات استخباراتية لإحداث تحولات سياسية داخلية تدريجية، مع الإقرار بأن النجاح في مثل هذا المسار ليس مضموناً.
وفي السياق ذاته، وصف ستيفن كاش، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية ورئيس منظمة تضم مسؤولين متقاعدين في مجال الأمن القومي، غياب رؤية واضحة لما قد يحدث بعد انتهاء العمليات بأنه أمر مقلق للغاية، وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالجانب العسكري، بل قد تمتد أيضاً إلى حسابات سياسية داخلية في الولايات المتحدة، ملمحاً إلى أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة قد تكون جزءاً من الاعتبارات التي تحرك قرارات البيت الأبيض في هذا الملف.
مقتل خامنئي وتعقيدات المشهد
ووفقاً لتقرير الغارديان فإن التصعيد بلغ ذروته مع تأكيد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار مسؤولي النظام، في الضربات الأخيرة، ترامب قال لمجلة “ذا أتلانتيك” إن من تبقّى من القيادات الإيرانية باتوا راغبين في التفاوض، معلناً موافقته على إجراء محادثات، ومعتبراً أن طهران انتظرت طويلاً قبل القبول بشروط كان يصفها بالعملية والسهلة.
غير أن الرئيس أقر أيضاً بأن كثيرين ممن كانوا منخرطين في مفاوضات سابقة لم يعودوا موجودين، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى أي مسار تفاوضي محتمل، في وقت تتواصل فيه الضربات والردود المتبادلة في أنحاء الشرق الأوسط.
وتابع فاتانكا في حديثه للغارديان إنه لو كان ترامب يسعى فعلاً إلى تغيير النظام في إيران، لكان قد استقبل شخصيات معارضة في البيت الأبيض وقدّم أحدهم باعتباره المرشح لقيادة البلاد مستقبلاً، لكنه لا يقوم بأي خطوة من هذا النوع، وهو ما يثير تساؤلات حول نواياه الحقيقية، وربما يشير إلى أنه ما زال يفكر في إمكانية التوصل إلى صفقة مع النظام القائم بدلاً من السعي لإسقاطه.
وبينما فسّر فاتانكا تصريحات ترامب على أنها مؤشر إلى سعيه لإضعاف النظام لا إسقاطه بالكامل، حذّر من أن الرد الإيراني “الذي أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين وإصابة خمسة آخرين ” قد يدفع الرئيس إلى تبني موقف أكثر تشدداً لتفادي الظهور بمظهر المتراجع.
وفي رسالة مصورة أعلن فيها الضربات، عبّر ترامب صراحة عن دعمه لفكرة “تغيير النظام”، داعياً الإيرانيين إلى اغتنام ما أسماها بـ “لحظة التحرك”، وقال إنهم لطالما طلبوا دعم الولايات المتحدة، معتبراً أن الفرصة متاحة الآن.
في المحصلة، يخلص التقرير إلى أن إدارة ترامب تجد نفسها عند مفترق طرق حاسم، إما بلورة استراتيجية سياسية واضحة تحدد الهدف النهائي من التصعيد، أو المخاطرة بالانزلاق إلى صراع مفتوح بلا أفق زمني محدد.












