تتحرك باكستان دبلوماسيًا لاحتواء التصعيد بين السعودية وجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن.
اعلان
اعلان
وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها صحيفة “فايننشال تايمز”، حثّ قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مسؤولين إيرانيين، خلال اتصالات واجتماعات جرت في الأسابيع الأخيرة، على استخدام نفوذ طهران لدى الحوثيين لوقف الهجمات على السعودية، ولا سيما تلك التي تستهدف منشآت الطاقة.
ووفق الصحيفة، كرر منير خلال محادثاته مع المسؤولين الإيرانيين دعوته إلى وقف الهجمات الحوثية، مشيرًا إلى التزامات باكستان تجاه السعودية، لكن من دون توجيه تهديد مباشر لطهران.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول باكستاني مطلع على المحادثات قوله إن إيران تعتبر الصراع شأنًا بين السعودية واليمن، لكنه أضاف أن التصعيد يمكن أن يخدم، بحسب تقييمه، أهداف طهران الإقليمية.
اتصالات متواصلة بين إسلام آباد وطهران
كان منير قد زار طهران في أغسطس/آب الماضي، حيث التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وعددًا من المسؤولين الإيرانيين. كما أجرى اتصالات هاتفية متكررة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وفي أحدث هذه الاتصالات، تحدث منير مع عراقجي بشأن التطورات الإقليمية والهجمات الحوثية على السعودية، وفق ما أوردته وسائل إعلام إيرانية، بينما قالت مصادر باكستانية إن المحادثة تناولت أيضًا الجهود الرامية إلى إعادة إطلاق المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وتحاول إسلام آباد منذ أشهر لعب دور الوسيط بين أطراف النزاع، مستفيدة من علاقاتها مع كل من طهران والرياض وواشنطن. لكن اتساع رقعة المواجهة يجعل الحفاظ على هذا الدور صعبا.
وينص “اتفاق مكة”، وفق ما نقلته رويترز، على اعتبار أي هجوم على أحد الأطراف هجومًا على الأطراف الثلاثة، ما يضع التزاماته موضع اختبار في ظل الهجمات الحوثية المتصاعدة على السعودية.
وكان وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف قد قال إن بلاده تعمل على إيجاد حل دبلوماسي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن وقوع “عدوان غير مبرر” أو امتداد للتصعيد إلى الأراضي السعودية سيجعل الاتفاق الدفاعي قابلًا للتفعيل.
وفي مؤتمر صحفي الخميس، أكدت وزارة الخارجية الباكستانية التزام إسلام آباد باتفاقاتها الدفاعية مع الرياض، لكنها تجنبت تحديد طبيعة أي تحرك عسكري محتمل، مشيرة إلى أن تفاصيل مثل توقيت التدخل ومكانه والقوة التي يمكن استخدامها تندرج ضمن السرية العملياتية.
وبذلك، تبقي باكستان الباب مفتوحًا أمام احتمال التحرك العسكري، من دون الإعلان عن قرار بالتدخل في الوقت الحالي.
السعودية تحت الهجمات
تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة هجمات الحوثيين على السعودية، مستهدفة مدنًا ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة.
وفي إحدى الهجمات الأخيرة، تعرضت قاعدة جوية في خميس مشيط ومنشآت للطاقة في المنطقة لهجمات، وأفادت تقارير بمقتل أو إصابة عشرات الأشخاص. وجاءت الهجمات بالتزامن مع تصعيد أوسع في المنطقة على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
كما أدى اضطراب إمدادات الطاقة ومسارات تصدير النفط في المنطقة إلى زيادة حساسية التطورات العسكرية بالنسبة للأسواق العالمية، خصوصًا مع تزامنها مع التوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وتقول ”فايننشال تايمز” إن السعودية حاولت الحصول على دعم من دول إقليمية أخرى، إلا أن جهودها لم تحقق حتى الآن نتيجة واضحة، وفق مصدر دبلوماسي تحدث إلى الصحيفة.
وفي المقابل، لا تزال الرياض والحكومة اليمنية تسعيان إلى دفع الحوثيين بعيدًا عن مناطق ساحلية استراتيجية على البحر الأحمر، في حين لا تبدو الأطراف مستعدة، وفق المصدر نفسه، للعودة إلى مفاوضات في الوقت الراهن.
لماذا تبدو باكستان عالقة بين الرياض وطهران؟
السعودية شريك أمني واقتصادي رئيسي لباكستان، كما تعتمد إسلام آباد على الدعم والاستثمارات الخليجية في وقت تواجه فيه ضغوطًا اقتصادية.
وفي المقابل، تشترك باكستان مع إيران في حدود تمتد لنحو 900 كيلومتر، وتحتاج إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران لتجنب انتقال التوتر الإقليمي إلى أراضيها.
كما تلعب باكستان دورًا دبلوماسيًا في محاولة إبقاء قنوات التواصل بين إيران والولايات المتحدة مفتوحة، ما يجعل أي تدخل عسكري مباشر إلى جانب السعودية أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى جهود الوساطة.
وكانت رويترز قد وصفت الوضع بأنه اختبار لقدرة إسلام آباد على الجمع بين دورها كشريك دفاعي للرياض ووسيط يحافظ على علاقاته مع طهران.
ولا يبدأ التعاون العسكري الباكستاني السعودي من الصفر.
فبحسب رويترز، نشرت باكستان طائرات مقاتلة وطيارين في قاعدة جوية شرقي السعودية في أبريل/نيسان الماضي، كما عززت وجودها العسكري قرب الحدود السعودية اليمنية مع تصاعد التوتر.
ويضيف هذا الانتشار عنصرًا آخر إلى الحسابات الباكستانية، إذ إن أي توسع للمواجهة قد يحول القوات الموجودة أصلًا في السعودية من عنصر ردع إلى طرف مباشر في العمليات، إذا قررت الرياض طلب تفعيل التزاماتها الدفاعية.
لكن إسلام آباد لم تعلن حتى الآن أنها اتخذت قرارًا بإرسال قوات للمشاركة في العمليات ضد الحوثيين.
طهران تنفي السيطرة المباشرة على الحوثيين
من جانبها، تقول إيران إن الحوثيين يتخذون قراراتهم بصورة مستقلة ولا يخضعون لأوامر مباشرة من طهران.
ونقلت مصادر إيرانية، بحسب تقارير رويترز، أن طهران أبلغت باكستان بأنها لا تسيطر على الحوثيين، في حين نقلت رويترز عن مصدرين إيرانيين أن طهران وجهت للجماعة تعليمات بمهاجمة السعودية ووعدتها بمزيد من التمويل والأسلحة. وهذه روايات متعارضة ينبغي التعامل معها بوصفها مواقف ومعلومات منسوبة إلى مصادرها، لا باعتبارها وقائع محسومة.
وتبرز هنا إحدى أكثر نقاط التعقيد في المساعي الباكستانية: فحتى إذا تمكنت إسلام آباد من إقناع طهران بوقف دعم الهجمات أو الضغط على الحوثيين، يبقى السؤال حول مدى قدرة إيران على ضمان التزام الجماعة بأي تفاهم.
وفي الوقت الذي تضغط فيه باكستان من أجل احتواء التصعيد، لا تبدو المفاوضات المباشرة بين السعودية والحوثيين قريبة، بحسب مصادر دبلوماسية نقلت عنها “فايننشال تايمز”.
وتقول المصادر إن الطرفين لا يبديان استعدادًا واضحًا للعودة إلى طاولة المفاوضات، بينما تستمر العمليات العسكرية على الأرض.
وقال مصدر دبلوماسي للصحيفة إن الجميع ينتظر ما ستؤول إليه التطورات خلال الأسبوعين المقبلين، في إشارة إلى أن مسار المواجهة قد يتحدد وفق نتائج التحركات العسكرية والدبلوماسية الجارية.

