بقلم: Clara Nabaa & يورونيوز

نشرت في آخر تحديث

كان لـ”يورونيوز” زيارة إلى أحد مراكز الإيواء في بيروت بأول أيام العيد، حيث برزت مفارقة لافتة بين قسوة الظروف المعيشية ومحاولات بسيطة للحفاظ على ما تبقى من طقوس اجتماعية.

اعلان


اعلان

ورغم محدودية الإمكانات، تلقّينا الحلوى والقهوة من النازحين داخل مراكز الإيواء، في مشهد ليس ببعيد عن كرم أبناء الجنوب خاصّة، واللبنانيين عامّة. ورغم الألم، تتردد عبارات التهنئة على أمل أن يحمل العام المقبل عيدًا أفضل.

من جهة أخرى، تتصاعد الشكاوى من عدم انتظام المساعدات وغياب العدالة في توزيع الإعانات مقارنة بمراكز أخرى، فيما تبدو النظافة مقبولة لكنها تبقى دون المستوى المطلوب.

كما يواجه الأطفال نقصًا واضحًا في الأنشطة الترفيهية والألعاب، لا سيّما في أيام العيد، رغم بعض المبادرات المحدودة من جمعيات لا تغطي الاحتياجات الفعلية. كما يرفض كثيرون الإدلاء بشهاداتهم، في ظلّ الضغط النفسي الذي يعيشه السكان.

أما كبار السن، ومعظمهم يعاني أساسًا من مشكلات صحية، فتتضاعف معاناتهم في ظل هذه الظروف، مع غياب الرعاية والمساعدات الطبية الكافية. كما أن الفرش المتوفرة لا تلائم احتياجاتهم إطلاقًا، فيما تتكرر مطالبات أبنائهم بتأمين أسرّة مناسبة وأدوية أساسية تضمن الحد الأدنى من الرعاية.

“عيد مؤجّل إلى حين العودة”

يُجمع النازحون على أن العيد هذا العام يمرّ مثقلًا بالحزن، إذ بدّد فقدان الأحبة والمنازل أي مظاهر للفرح. فاطمة، النازحة من بلدة عبا في قضاء النبطية، تختصر المشهد بقولها إنهم لم يشعروا بمعنى العيد، بل بـ”غصّة” بسبب ألم الفراق والبيوت المدمّرة، والحنين إلى طقوس كانوا يمارسونها صباح العيد.

أما بالنسبة لمركز الإيواء، فكل ما فيها يشير إلى أن النازحين، ورغم تقديرهم للجهود المبذولة، يفتقدون لاحتياجات أساسية مثل الرعاية الصحية وحليب الأطفال والحفاضات، إلى جانب نقص الخبز والمياه. وتؤكد أن الحصول على وجبة واحدة يوميًا لا يكفي.

وتتكرر الصورة مع أماني محمد زيدان، النازحة من بلدة صريفا، التي تعكس شهادتها عمق هذا الواقع الذي يختلط فيه الحزن بالتشتت. إذ تشير إلى أن العيد حلّ وعائلتُها موزعة بين أكثر من مكان، فيما فقدت عائلات أخرى أقرباء لها خلال هذه الفترة، مؤكدة أن الأمل بالعودة لا يزال قائمًا، لكنها تتمنى أن تكون العودة هذه مقرونة باستعادة الكرامة، أو أن يطول هذا الواقع إلى حين يتحقق ذلك، وفق تعبيرها.

وتصف زيدان الأوضاع المعيشية القاسية داخل المدرسة التي تؤويهم في بيروت، حيث تتقاسم عائلات مساحات ضيقة، في ظل شبه غياب للمساعدات الغذائية، إذ لم يتلقوا سوى إعانة واحدة خلال 17 يومًا، وهي غير كافية، فيما تُقدَّم أحيانًا وجبات باردة وغير صالحة للأكل.

وتضيف أن العائلات اضطرت في البداية للنوم على الأرض أو في السيارات قبل تأمين بعض الفرش، فيما تتفاقم الضغوطات النفسية نتيجة التوتر والخوف المستمرين، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن، في ظل غياب الرعاية الصحية الكافية، ما يجعل الحياة اليومية داخل هذه المراكز أكثر صعوبة.

أما أحد النازحين من بلدة بيت ليف، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، فيربط معاناته الحالية بسياق أوسع من التجارب السابقة مع إسرائيل، مشيرًا إلى أن الحياة باتت شبه مستحيلة في ظل الاستهداف المتكرر للقرى والبلدات اللبنانية حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، ما جعل أبسط الأنشطة اليومية محفوفة بالخطر. ويعبّر هذا النازح عن شعور عميق بالمرارة لكون العيد يمرّ وهم بعيدون عن منازلهم، مع تمسكهم بالأمل في استعادة القدرة على العيش بكرامة في قراهم بعد انتهاء الحرب.

مراكز الإيواء.. اكتظاظ ونقص حاد في الأساسيات

داخل مراكز الإيواء، خصوصًا المدارس، تتفاقم الأزمات المعيشية مع تمركز أعداد كبيرة من العائلات في مساحات ضيقة ونقص حاد في المياه والخبز والمواد الغذائية، إلى جانب غياب مستلزمات أساسية كحليب الأطفال والأدوية. ويضطر كثيرون للنوم على الأرض أو في ظروف غير لائقة، ما يزيد من الضغوط النفسية ويجعل الحياة اليومية أكثر قسوة.

يشرح أحمد حسين ديراني، وهو نازح ومسؤول عن أحد مراكز الإيواء، أن المركز يضم 416 شخصًا من 114 عائلة، ويواجه تحديات يومية في تأمين الماء والغذاء. ويوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في نقص المياه بشكل كبير، إضافة إلى ارتفاع أسعار الخبز والمواد الأساسية خارج المركز. كما يشير إلى أن المساعدات الغذائية لم تعد تصل بانتظام كما في السابق، وأن الحصص الحالية لا تكفي أكثر من بضعة أيام، خاصة مع وجود أطفال.

ويلفت ديراني إلى خلل واضح في توزيع الموارد، إذ تُمنح كميات متساوية من المياه لعائلات متفاوتة العدد، بسبب شحّ الإمكانات، ما يجعل تحقيق العدالة في التوزيع أمرًا بالغ الصعوبة. كما ينتقد اقتصار دور بعض الجمعيات على تسجيل الأسماء دون تقديم مساعدات فعلية، في وقت تتحول فيه بعض المساعدات إلى مصدر استغلال تجاري على حساب النازحين.

وتؤكد الأرقام الرسمية حجم الأزمة المتفاقمة، إذ أفادت السلطات اللبنانية، حتى يوم أمس السبت، بأن عدد النازحين المسجلين في مراكز الإيواء بلغ 134,616 شخصًا، موزعين على 644 مركزًا تم افتتاحها، فيما وصل إجمالي عدد العائلات النازحة داخل هذه المراكز إلى 33,949 عائلة، في مشهد يعكس اتساع رقعة النزوح وتزايد الضغط رغم الإمكانات المحدودة.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version