تتواصل التساؤلات بشأن الهجوم الذي استهدف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب الإيرانية، بعد مرور أكثر من 120 يومًا على الحادثة التي أودت بحياة عشرات الأطفال، في ظل غياب النتائج الرسمية للتحقيق العسكري الأمريكي.

اعلان


اعلان

البنتاغون امتلك أدلة مبكرة

وكشفت وكالة “أسوشيتد برس”، في تقرير موسع، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تنشر حتى الآن نتائج تحقيق البنتاغون في الهجوم، رغم امتلاك الجيش الأمريكي أدلة شبه فورية على إصابة المدرسة، وفق مسؤول أمريكي مطلع تحدث للوكالة شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب استمرار التحقيق.

وأوضح المسؤول أن الجيش الأمريكي كان يعلم، منذ ظهور الأنباء الأولى عن الحادثة، أنه نفذ ضربات في محيط الموقع، لكنه احتاج إلى وقت للتحقق من المزاعم الإيرانية بشأن إصابة مدرسة قبل فتح تحقيق رسمي.

وأعادت الوكالة بناء وقائع الهجوم الذي وقع صباح 28 فبراير/شباط، بالاستناد إلى معلومات مفتوحة المصدر، ولقطات فيديو، وتقارير حقوقية، ومقابلات مع باحثين ومدنيين داخل إيران وخارجها، مؤكدة أن نقص المعلومات الصادرة عن البنتاغون، إلى جانب تسييس الحادثة من قبل السلطات الإيرانية، حالا دون التوصل إلى رواية نهائية لما جرى، وخلقا فراغًا في المساءلة، تاركين عائلات الضحايا من دون إجابات حول ما حدث في ذلك الصباح.

وأضاف التقرير أن من بين الأسئلة التي لا تزال بلا إجابة عدد الذخائر التي أصابت المدرسة، والقائمة الكاملة للقتلى.

كيف أصبحت المدرسة هدفًا؟

وبحسب المسؤول الأمريكي، فإن أحد المحللين العسكريين كان قد صنّف المبنى الذي يضم المدرسة على أنه مدرسة قبل سبعة أعوام، إلا أن هذه المعلومة لم تُعمم بالشكل الكافي بين أجهزة الاستخبارات والهيئات العسكرية.

وأشار إلى أن مطوري بنك الأهداف لم يكونوا يعلمون عند إعداد الضربة أن المبنى مدرسة، وهو ما يكشف، بحسب التقرير، عن أوجه قصور منهجية محتملة في آليات تحليل الأهداف ومراجعتها داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.

وأفاد التقرير بأن تحليلًا أجرته الوكالة لصور الأقمار الصناعية والخرائط مفتوحة المصدر أظهر أن المدرسة كانت تقع داخل المجمع المسيّج نفسه الذي يضم قاعدة للحرس الثوري الإيراني، وكانت في الأصل جزءًا من القاعدة قبل أن تُفصل عنها بسياج وتتحول إلى مدرسة قبل أكثر من عقد.

وأضاف أن بعض التلاميذ كانوا أبناء ضباط في الحرس الثوري العاملين في القاعدة المجاورة، في حين كان آخرون من أبناء مدينة ميناب، ذات الغالبية البلوشية السنية، التي تقول منظمات حقوقية إن سكانها يتعرضون لممارسات قمعية من السلطات الإيرانية.

ونقلت الوكالة عن شيفا أميليراد، الممثلة الدولية لمجلس تنسيق نقابة المعلمين الإيرانيين، أن المدرسة كانت واحدة من أكثر من 30 مدرسة تحمل اسم “شجرة طيبة”، أُنشئت لخدمة أبناء العائلات المرتبطة بالحرس الثوري أو بمؤسسات الدولة.

وأضافت أن هذه المدارس كانت أكثر ارتباطًا بتعزيز رؤية الحرس الثوري، لكنها شددت على أن الأطفال يظلون مدنيين بغض النظر عن خلفيات عائلاتهم، مؤكدة أن “أي هجوم يستهدف مدرسة يستحق الإدانة بشكل لا لبس فيه”.

انتقادات داخل البنتاغون

ولم تقتصر المعلومات التي حصلت عليها “أسوشيتد برس” على المسؤول الأمريكي المطلع، إذ نقلت أيضًا عن مسؤول سابق في البنتاغون، طلب عدم الكشف عن هويته، أن القصف جاء في ظل تغييرات أجرتها إدارة ترامب هدفت إلى تقليص عدد الموظفين المكلفين بالحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين، إلى جانب تركيز وزير الحرب بيت هيغسيث على زيادة الفتك في العمليات العسكرية.

وقال المسؤول السابق إن هيغسيث قلّص، فور توليه منصبه، حجم “مركز التميز لحماية المدنيين” الذي أنشئ بتوجيه من الكونغرس أواخر عام 2022، وهو ما انعكس على قدرة المركز في تحديث ما يعرف بـ”قوائم عدم الاستهداف”، التي تضم المواقع المحمية، مثل المدارس والمستشفيات والكنائس والمساجد.

وفي السياق نفسه، قال ويس براينت، الذي عمل عام 2024 رئيسًا لفرع تقييم الأضرار المدنية في المركز، إن تلك القوائم كانت معروفة داخل البنتاغون بأنها قديمة وغير محدثة، مضيفًا أن تقليص عمل المركز أدى عمليًا إلى توقف تحديثها.

يتبع في الجزء الثاني: التحقيق الذي لا يزال طي الكتمان، وموقف ترمب والبنتاغون، ثم إعادة بناء الهجوم لحظة بلحظة، ومشاهد الإنقاذ، والجنازات، والدعاية الإيرانية، وحصيلة الضحايا التي توصلت إليها منظمة “إيروارز”.

التحقيق لا يزال طي الكتمان

وأشار تقرير “أسوشيتد برس” إلى أن معظم أعمال التحقيق العسكري الأمريكي في حادثة ميناب قد أُنجزت، إلا أن القيادة المركزية الأمريكية، التي كُلّفت بإجرائه، لا تزال تراجع نتائجه، فيما يبقى من غير الواضح ما إذا كان التقرير النهائي سيُنشر.

ولفت التقرير إلى أن وزارة الحرب الأمريكية كانت، في حوادث مشابهة، أسرع في إعلان نتائج تحقيقاتها، مستشهدًا بضربة كابول في 29 أغسطس/آب 2021، حين اعترفت الوزارة خلال أقل من شهر بمسؤوليتها عن مقتل عشرة مدنيين إثر استهدافهم بصاروخ من طراز “هيلفاير”.

وعندما سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي عن حادثة ميناب، قال إنه لم يطلع على تقرير البنتاغون، مضيفًا: “لا أعلم إن كانوا سيتمكنون يومًا من حل هذه المشكلة من حيث معرفة من تقع عليه المسؤولية، لأن الصواريخ كانت تتطاير في كل مكان. لا أعتقد أننا نحن من نفذ ذلك”.

أما وزير الحرب بيت هيغسيث، فاكتفى بالقول إن التقرير سيُنشر “عندما يحين الوقت المناسب”.

ورغم ذلك، لا يزال بعض أعضاء الكونغرس يطالبون بمزيد من الشفافية، إذ نقلت الوكالة عن السيناتور الجمهوري مايك راوندز، عضو لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات في مجلس الشيوخ، قوله إن الكونغرس لم يحصل حتى الآن على معلومات كافية بشأن القصف، وإنه يتوقع صدور تقرير كامل، مؤكدًا أن القضية “لم تختفِ”.

ماذا حدث في ميناب؟

وبحسب إعادة بناء الوقائع التي أجرتها “أسوشيتد برس”، وقع الهجوم صباح السبت 28 فبراير/شباط، عندما كان مئات الطلاب داخل مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية في مدينة ميناب، الواقعة جنوب شرقي إيران على بعد نحو 25 كيلومترًا من مضيق هرمز.

ومع بدء ورود أنباء عن سقوط قنابل على طهران قرابة الساعة 9:40 صباحًا، قرر المعلمون والإداريون إرسال التلاميذ إلى منازلهم، فاتصلوا بالأهالي عبر الهواتف الأرضية وطلبوا منهم الحضور مبكرًا لاصطحاب أبنائهم. كما بثت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، عند الساعة 10:15 صباحًا، تنبيهًا يقضي بإغلاق المدارس في أنحاء البلاد.

وروت الوكالة أن أحد الآباء وصل إلى المدرسة لاصطحاب ابنه البالغ عشرة أعوام، ولاحظ اثنين من أقاربه، يبلغان ستة وسبعة أعوام، فسألهما إن كانا يرغبان في العودة معه، إلا أنهما رفضا لأن والدهما كان في الطريق.

وغادر الأب مع ابنه إلى متجر قريب، لكن بعد نحو عشر دقائق فقط دوّت الانفجارات.

مشاهد من تحت الأنقاض

وأظهرت صور الأقمار الصناعية، بحسب تحليل الوكالة، أن عدة ذخائر أصابت المجمع، مستهدفة ما لا يقل عن خمسة مبانٍ، فيما أدى انفجار مئات الأرطال من المتفجرات إلى انهيار المدرسة بالكامل.

وعاد الأب إلى الموقع ليجد حالة من الفوضى، حيث تجمع الأهالي وهم يصرخون، بينما كان رجال يحفرون بين الأنقاض المتصاعدة منها الأدخنة بحثًا عن الجثث.

وفي نهاية المطاف، شاهد جثتين متفحمتين يعتقد أنهما لطفلين من أقاربه، لكنه لم يتمكن من التعرف إليهما.

كما حضر رجل من قرية مجاورة بحثًا عن ابن أخيه، بعدما تلقى اتصالًا مرتبكًا من والدته، قبل أن يعثر على جثمانه بين الركام.

وأظهرت مشاهد الإنقاذ حقائب مدرسية ورسومات للأطفال وأقلام تلوين وأوراقًا دراسية متناثرة بين الأنقاض، فيما بدت ذراع طفل صغيرة تتدلى من تحت الركام.

وقالت مجموعة بلوشستان لحقوق الإنسان إن فرق الإسعاف نقلت أطرافًا بشرية وأشلاء مشوهة إلى المستشفى المحلي، فيما قدرت الكوادر الطبية وجود ما لا يقل عن 108 جثث بحلول نهاية اليوم، مع التحذير من أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر.

وفي اليوم التالي، تحدثت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية عن مقتل نحو 150 شخصًا، قبل أن تعلن لاحقًا ارتفاع الحصيلة إلى 168 قتيلًا.

الجنازات والدعاية الإيرانية

وبعد ثلاثة أيام من الهجوم، بث التلفزيون الرسمي الإيراني مشاهد لآلاف الأشخاص خلال مراسم تشييع في مدينة ميناب، أمام منصة كبيرة تتوسطها صورة مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني.

وقال أحد سكان المدينة للوكالة إن جميع عائلات الضحايا، بغض النظر عن انتمائها العرقي أو الديني، طُلب منها المشاركة في التشييع، مضيفًا أن كثيرين اختاروا دفن أطفالهم معًا، رغم إبلاغهم بإمكانية نقل الجثامين إلى قراهم.

كما أظهرت لقطات بطائرات مسيرة صفوفًا من القبور الصغيرة المتطابقة وغير المعلّمة.

واتهمت شيفا أميليراد وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية بالترويج لرواية تخدم الحرس الثوري، مشيرة إلى أنها أطلقت على الأطفال القتلى وصف “الشهداء”.

صعوبة التحقق

وأكدت “أسوشيتد برس” أن الصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان واجهوا صعوبات كبيرة في التحقق من تفاصيل الهجوم، بسبب عدم تمكنهم من الوصول إلى الموقع، وفرض السلطات الإيرانية قيودًا على دخول الصحفيين الأجانب، إضافة إلى قطع الإنترنت في اليوم الأول للحرب.

وقال أحد سكان ميناب إن عائلات الضحايا خشيت التحدث علنًا خوفًا من الانتقام، فيما أفيد باحتجاز أشخاص لمحاولتهم التواصل مع وسائل إعلام أجنبية، وهو ما سمح للحكومة الإيرانية بالسيطرة على الرواية الرسمية للحادثة.

وفي إطار تلك الرواية، ارتدى لاعبو المنتخب الإيراني لكرة القدم شارات ذهبية تحمل الرقم “#168” عند وصولهم إلى كأس العالم، كما أطلقت البعثة الإيرانية التي تفاوضت مع الولايات المتحدة للتوصل إلى هدنة اسم “ميناب 168” على نفسها، فيما انتشرت مقاطع دعائية صُوّر فيها الأطفال القتلى على هيئة شخصيات “ليغو”.

كما أشارت منظمة العفو الدولية، في تقرير صدر خلال مارس/آذار، إلى أن السلطات الإيرانية “استغلت معاناة عائلات الضحايا والأطفال الناجين لأغراض دعائية”، فيما لم تُنشر حتى الآن أي قائمة رسمية بأسماء القتلى.

حصيلة الضحايا

وختمت “أسوشيتد برس” تقريرها بالإشارة إلى أن منظمة “إيروارز” أمضت أشهرًا في التحقق من هويات الضحايا، وتمكنت من تحديد أسماء 157 قتيلًا، بينهم 123 طفلًا دون الثالثة عشرة، و34 بالغًا، من بينهم 26 من العاملين في المدرسة، بينهم معلمة كانت حاملًا، إضافة إلى خمسة من أولياء الأمور فقد كل منهم طفلًا واحدًا على الأقل.

وقدرت المنظمة أن العدد الإجمالي للقتلى يتراوح بين 157 و168 شخصًا، فيما يتراوح عدد الجرحى بين 95 و111 مصابًا.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version