بقلم: Clara Nabaa & يورونيوز

نشرت في

تقول إسرائيل إن عملياتها العسكرية تهدف إلى القضاء على “حزب الله” الذي تصنفه “منظمة إرهابية”، وتقدم ذلك كذريعة لتبرير تصعيدها العسكري، لكن قراءة المعطيات المتاحة تطرح تساؤلات حول ما إذا كان هناك ما هو أبعد من هذا السرد الرسمي، خصوصًا مع التحول الملحوظ في نمط الاستهداف وحجم الدمار.

اعلان


اعلان

مقارنة بين حرب 2006 وما تلاها

أجرت “الدولية للمعلومات” مقارنة شاملة بين حرب تموز 2006 وحرب أيلول 2024، خلصت فيها إلى أن خسائر الحرب الأخيرة على مختلف الصعد تفوق تلك التي سُجّلت في حرب الثلاثة والثلاثين يومًا بنحو الضعف.

في عام 2006، بلغت الخسائر الاقتصادية نحو 7 مليارات دولار، بينما قدّر البنك الدولي الخسائر التي تكبّدها الاقتصاد اللبناني وقطاعاته الرئيسية نتيجة الحرب الإسرائيلية في عام 2024 بنحو 8.5 مليار دولار، من بينها 3.4 مليارات دولار كلفة الأضرار التي طالت نحو 100 ألف وحدة سكنية.

وتفيد تقديرات رسمية لبنانية بأن كميات الركام التي خلّفتها الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” في عام 2024 تُقدَّر بما يتراوح بين 50 و100 مليون متر مكعب، أي ما يعادل خمسة إلى عشرة أضعاف حجم الأنقاض الناتجة عن حرب تموز 2006.

أما على صعيد النزوح، ففي حرب 2006 لم يتخط عدد النازحين حاجز 600 ألف نازح داخل لبنان، بينما في حرب 2024 بلغ عدد النازحين 890 ألفًا في الداخل و400 ألف نازح في الخارج. وفي عام 2026، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية أن أعداد النازحين في لبنان تجاوزت المليون شخص.

وبالنسبة لحصيلة الضحايا كان الفارق صارخًا، ففي عام 2006 لم يتجاوز عدد القتلى 1200 شخص، فيما بلغ عدد الجرحى نحو 4000. أما في عام 2024، فقد وصل عدد القتلى إلى أكثر من 4000 و16 ألف جريح. وفي عام 2026، وحتى تاريخ كتابة التقرير، تخطّى عدد القتلى الألف (1021)، وفقًا لآخر بيانات وزارة الصحة العامة، وعدد الجرحى 2641.

أيام القتال تتضاعف

تعكس المدة الزمنية للعمليات العسكرية تطورًا في طبيعة المواجهات على مدى العقود الثلاثة الماضية. ففي عملية “تصفية الحساب” عام 1993، استمرت العمليات أسبوعًا واحدًا فقط. ثم جاءت عملية “عناقيد الغضب” عام 1996 لتستمر 17 يومًا. وبحلول حرب تموز عام 2006، امتد القتال إلى 33 يومًا.

أما في حرب عام 2024، فقد استمرت العمليات العسكرية ما يقرب من 57 يومًا، أي نحو شهرين كاملين. هذا التمدد في زمن القتال يعكس تحولًا في المقاربة العسكرية الإسرائيلية، حيث لم تعد العمليات مقتصرة على فترة زمنية محدودة، بل امتدت لتشمل أشهر من القصف المكثف.

ارتفاع في كلفة الحرب عسكريًا

بعد شهر على اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، أفادت صحيفة “جيروزاليم بوست” بأن التقديرات تشير إلى أن خسائر القطاع العسكري الإسرائيلي بلغت نحو 7 مليارات شيكل، أي ما يعادل 1.6 مليار دولار، فيما قُدّر الإنفاق العسكري اليومي بنحو 22 مليون دولار.

وعام 2025، أفادت وزارة المالية الإسرائيلية بأن إجمالي ما أنفقته إسرائيل على عملياتها العسكرية في غزة ولبنان خلال عام 2024 بلغ نحو 112 مليار شيقل، أي ما يعادل 31 مليار دولار.

وهذه القفزة في الإنفاق تأتي في سياق عالمي لافت، فقد أشار تقرير أصدره معهد “سيبري” في شهر أبريل عام 2025 إلى أن الإنفاق العسكري العالمي شهد خلال 2024 أكبر زيادة له منذ نهاية الحرب الباردة.

وبرزت إسرائيل ضمن الدول الأكثر زيادة، إذ رفعت ميزانيتها العسكرية بنسبة 65 في المئة لتصل إلى 46.5 مليار دولار، في أكبر قفزة منذ حرب عام 1967.

مبيعات الأسلحة الإسرائيلية

تُعد إسرائيل واحدة من أكبر 10 دول مصدّرة للأسلحة في العالم. وقد أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن قيمة صادراتها العسكرية بلغت 14.7 مليار دولار خلال عام 2024، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 13 في المئة مقارنة بالعام السابق، في حين استحوذت الدول الأوروبية على أكثر من نصف هذه الصفقات الدفاعية.

وتشير أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) حول تجارة السلاح العالمية إلى تصاعد ملحوظ في موقع إسرائيل ضمن خريطة المصدّرين. فقد ارتفعت حصتها من إجمالي صادرات الأسلحة عالميًا إلى 4.4 في المئة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2026، مقارنة بـ3.1 في المئة خلال الأعوام 2016–2020. وبذلك، تقدّمت إسرائيل إلى المرتبة السابعة عالميًا، متجاوزةً بريطانيا للمرة الأولى في هذا المجال.

ويكشف التقرير أيضًا عن استمرار تدفّق السلاح الإسرائيلي إلى بريطانيا، رغم الانتقادات الداخلية هناك للسياسات الإسرائيلية، وكذلك رغم الإعلانات المتعلقة بتعليق المفاوضات بشأن تحديث الاتفاقية التجارية بين البلدين.

ويوضح التقرير أن إسرائيل صدّرت أسلحتها إلى 23 دولة أوروبية استحوذت مجتمعة على 41 في المئة من إجمالي صادراتها، مقابل 10 دول آسيوية بنسبة 40 في المئة، وخمس دول في الأمريكيتين بنسبة 8.6 في المئة، إلى جانب سبع دول أفريقية، ما يعكس انتشارًا واسعًا لشبكة صادراتها العسكرية عبر القارات.

الحرب على غزة نموذجًا

في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، يرى الكاتب والباحث الإسرائيلي يوفال أبراهام أن العمليات اتسمت بتوسّع ملحوظ في استهداف مواقع لا تحمل طابعًا عسكريًا واضحًا. ويشير أبراهام إلى أن هذا النهج المُتّبع في غزة يهدف أساسًا إلى إيقاع ضرر بالمجتمع المدني الفلسطيني، بهدف إحداث “صدمة” تدفع السكان إلى ممارسة ضغط على “حماس”.

في المقابل، يرى عدد من الخبراء أن إسرائيل تتعامل مع ساحات القتال بوصفها بيئات اختبار لأسلحتها الحديثة، وهو ما يشيرون إلى أنه ظهر في غزة وجنوب لبنان، وكذلك الضاحية الجنوبية لبيروت. هذه القراءة تعيد طرح السؤال حول ما إذا كانت العمليات العسكرية الإسرائيلية تحمل أبعادًا تتجاوز الأهداف المعلنة، لتشمل اختبار تكتيكات وأسلحة جديدة في بيئات قتالية، قبل أن تُطرح في الأسواق العالمية بوصفها “مثبتة فعاليتها”.

ويقدم عوديد يارون، مراسل شؤون الصناعات العسكرية والتكنولوجيا في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، قراءة مثيرة للاهتمام حول هذا الازدهار. ففي حديث لشبكة CNN، قال يارون إن مبيعات قطاع السلاح الإسرائيلي وصلت إلى مستويات قياسية، مرجعًا ذلك جزئيًا إلى السمعة التي اكتسبتها هذه الأسلحة بوصفها “مُجرّبة ومثبتة في ساحات القتال”، وهو ما يعزز الطلب عليها.

وفي السياق نفسه، نقلت CNN عن أحد العارضين في معرض معدات الدفاع والأمن الدولي (DSEI) قوله إن قطاع السلاح يشهد ازدهارًا ملحوظًا، موضحًا أن الزبائن يبدون إعجابهم بقدرة إسرائيل على حماية سكانها، ويسعون إلى اقتناء المعدات التي أثبتت فعاليتها في المعارك.

وحذّر يارون من أن القيود المفروضة على المشاركة في مثل هذه المعارض لن يكون لها تأثير كبير على مبيعات السلاح الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن الحاجة العالمية لهذه الأسلحة قائمة، وأن إسرائيل قادرة في الغالب على تجاوز هذه العراقيل بطرق مختلفة، حتى لو ترتب على ذلك كلفة أعلى أو ضغوط وانتقادات إضافية.

هل هناك وجه آخر للحرب؟

تبدو الضربات في المرحلة الحالية أكثر عشوائية مقارنة بالسابق، حيث كانت الأهداف تبدو أكثر تحديدًا ودقة، ولم تعد المناطق المستهدفة تقتصر على مواقع عسكرية واضحة، وباتت إسرائيل أكثر ميلاً لـ “تجربة الأسلحة في القتال”.

وبين تضاعف أيام الحروب، وارتفاع الخسائر البشرية والمادية بأرقام غير مسبوقة، وزيادة قياسية في مبيعات الأسلحة التي تُروَّج بوصفها “مُجرّبة في ساحات المعارك”، وانتقال إسرائيل إلى المرتبة السابعة عالميًا في قائمة مصدّري الأسلحة، يبرز سؤال جوهري: هل ما نشهده في لبنان يشي بتحول هذه الساحات إلى بيئات اختبار حية لأسلحة وتكتيكات جديدة، تُسوَّق بعد انتهاء العمليات العسكرية في أسواق عالمية متعطشة لسلاح “أثبت فعاليته”؟

المصادر الإضافية • وكالات

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version