أقرت الحكومة الإيطالية مرسوماً يحدّ من أعداد الطلاب المهاجرين حديثاً في الفصول الدراسية ويحظر البرقع والنقاب في المدارس، وسط تصاعد المنافسة من اليمين المتطرف قبيل انتخابات 2027.
اعلان
اعلان
وبموجب المرسوم، الذي أقرته الحكومة الخميس، ستُحدد نسبة الطلاب الذين لا يتقنون اللغة الإيطالية بشكل كافٍ داخل الفصول الدراسية عند 30%، مع توفير أدوات وبرامج تساعدهم على تعلم اللغة.
كما ينص المرسوم على أنه في حال ظهور مشكلات مستمرة تتعلق بالاندماج أو صعوبات في تعلم اللغة، تتم إحالة الطلاب إلى الخدمات الاجتماعية، فيما يُطلب من آبائهم حضور دروس مجانية لمحو الأمية وتعلم الإيطالية. وقد تصل الغرامات المفروضة على الأسر غير الملتزمة إلى 1000 يورو.
ومن المقرر أن تدخل الإجراءات حيز التنفيذ اعتباراً من العام الدراسي 2027-2028. وقال وزير التعليم جوزيبي فالديتارا إن القواعد ستطال نحو 1000 فصل دراسي، أي ما يعادل 0.3% من إجمالي الفصول في إيطاليا.
وفي المقابل، يستثني المرسوم الطلاب الذين ولدوا ونشأوا في إيطاليا، أو أمضوا عامين على الأقل في دور الحضانة، أو أتموا ثلاث سنوات من التعليم في البلاد.
ميلوني تدافع عن المرسوم
ومن جهتها، دافعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، زعيمة حزب “إخوة إيطاليا”، عن الإجراءات، ووصفتها بأنها “تدابير منطقية” لا تهدف إلى تقسيم المجتمع، وإنما إلى مساعدة الطلاب على الاندماج.
وقالت ميلوني، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن المرسوم يجمع بين تحديد نسبة الطلاب الذين لا يتقنون الإيطالية بشكل كافٍ، وتوفير أدوات تعلم اللغة، وحظر ارتداء البرقع والنقاب في المدارس.
وكانت رئيسة الوزراء قد تبنت لهجة أكثر تشدداً في وقت سابق من الأسبوع، خلال فعالية نظمها الجناح الشبابي لحزبها، عندما تعهدت بـ”تحديد عدد الطلاب الأجانب في كل فصل دراسي قانونياً”.
وأضافت آنذاك أنه “لا يعقل أن يشعر الأطفال الإيطاليون بالتهميش داخل الفصول الدراسية لأنهم أصبحوا أقلية”.
انتقادات للإجراءات
وأثارت الإجراءات انتقادات من نشطاء حقوقيين، خصوصاً في ما يتعلق بحظر البرقع والنقاب، اللذين يقول منتقدون إن وجودهما في الفصول الدراسية الإيطالية نادر أصلاً.
كما أشار المنتقدون إلى أن سقف الـ30% للطلاب الذين يحتاجون إلى دعم لغوي ليس جديداً، إذ سبق لوزارة التعليم أن طرحته عام 2010.
وقالت دانييلا إيونيتا، من مجموعة “إيطاليون بلا جنسية”، إن الحكومة “تفتعل حالة طوارئ لا وجود لها في الواقع”، مشيرة إلى أن نحو 60% من التلاميذ الذين قد يُصنفون كأجانب ولدوا في إيطاليا، لكنهم يواجهون عقبات عديدة للحصول على الجنسية.
وأضافت: “أعتقد أن ميلوني خائفة بسبب ظهور أحزاب يمينية جديدة تضغط على الساحة”.
وترى إيونيتا أن تصعيد الخطاب حول الهجرة يأتي في وقت تحاول فيه الحكومة، بحسب وصفها، تغطية قلة إنجازاتها خلال فترة حكمها.
وقالت إنه باستثناء المراسيم المتعلقة بالأمن والهجرة، “فلن يتبقى سوى القليل جداً من الإنجازات الملموسة” لإحدى أطول الحكومات بقاءً في السلطة خلال السنوات الأخيرة في إيطاليا.
وحذرت منظمة “أنقذوا الأطفال” بدورها من أن التأثير الإجمالي للإجراءات قد يؤدي إلى “خلق طلاب من الدرجة الأولى وطلاب من الدرجة الثانية”.
منافسة جديدة داخل اليمين
ويأتي الجدل حول المرسوم في وقت تواجه فيه ميلوني منافسة متزايدة من حزب “المستقبل الوطني” (FN)، الذي نجح منذ فبراير الماضي في حشد اليمين المتطرف.
وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى إمكانية حصول الحزب على نحو 8% من الأصوات في الانتخابات المتوقعة في ربيع 2027.
ويقود “المستقبل الوطني” روبرتو فاناتشي، وهو جنرال سابق في الجيش اشتهر بنشره ذاتياً كتاباً تضمن مواقف وُصفت بأنها عنصرية ومعادية للمثليين والمسلمين واليهود.
وبحسب الاستطلاعات، تجاوزت شعبية الحزب حزبي “الرابطة” و”فورتسا إيطاليا” المحافظين، وهما شريكا “إخوة إيطاليا” في الائتلاف الحاكم.
وبين مؤيدي الحزب الجديد أشخاص سبق أن دعموا ميلوني، عندما كانت تتبنى مواقف أكثر تشدداً بشأن الهجرة. وكانت رئيسة الوزراء قد تحدثت آنذاك عن “الاستبدال العرقي”، كما تعهدت بفرض حصار بحري شامل لمنع وصول المهاجرين من شمال إفريقيا.
ومن جهته، قال ماركو تارتشي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلورنسا والمتخصص في شؤون اليمين المتطرف، إن الإجراءات الجديدة مدفوعة “بلا شك” بمخاوف من ظهور تحدٍ سياسي جديد من أقصى اليمين.
وأوضح تارتشي أن كثيراً من الناخبين المحتملين لـ”المستقبل الوطني” كانوا من المؤيدين السابقين لميلوني، لكنهم أصيبوا بخيبة أمل بعدما خففت، عقب وصولها إلى السلطة، مواقفها السابقة، ولا سيما في ما يتعلق بالاتحاد الأوروبي والهجرة.
وأشار إلى أن فاناتشي استغل هذا التحول عبر طرح برنامج من اليمين المتطرف يتضمن الدعوة إلى “إعادة التهجير”، وفرض قيود على عدد الأجانب، فضلاً عن تقليص حقوق مجتمع الميم وإنكار الحق في الإجهاض.
وقال تارتشي إن ميلوني قد تحتاج، لاستعادة هذا الدعم، إلى تبني مواقف أقرب إلى تلك التي كانت تتبناها عندما كانت في صفوف المعارضة.
المعارضة تنتقد الأولويات
وفي السياق، وصفت زعيمة الحزب الديمقراطي إيلي شلاين المرسوم بأنه “مخزٍ”، واتهمت حكومة ميلوني بـ”العيش على كوكب آخر”.
وقالت شلاين إن الآباء الإيطاليين يواجهون تدهوراً في المباني المدرسية، وارتفاعاً في تكاليف الكتب المدرسية، إلى جانب تدني رواتب المعلمين.
وأضافت أن الحكومة، بدلاً من معالجة هذه المشكلات، ترد بـ”طرد الأطفال الأجانب من الفصول الدراسية”.
واتهمت شلاين الحكومة، بعد أربع سنوات من الاقتطاعات وغياب الاستثمار الحقيقي في المباني المدرسية، بابتكار ما وصفته بـ”حملة مطاردة” تستهدف الأطفال الصغار.
الهجرة في صدارة الخطاب
بدورها، قالت إليسا دي بيري، الباحثة في منظمة العفو الدولية، إن مؤشرات على هذا التوجه ظهرت خلال الصيف، عندما ركزت ميلوني على الدخول المفاجئ لعشرات الآلاف من الأشخاص إلى جيب سبتة الإسباني الصغير في شمال إفريقيا.
وأشارت دي بيري إلى أن سبتة لا علاقة لها بإيطاليا أو بمنطقة شنغن، لكن ميلوني حولت الواقعة إلى أزمة مفترضة بالنسبة لإيطاليا.
وأضافت أن هذا النهج مرشح للاستمرار خلال الأشهر المقبلة، متوقعة في المقابل أن تتجنب ميلوني التركيز كثيراً على اتفاقية الاحتجاز الخارجي مع ألبانيا، بعدما لم تحقق النتائج التي كانت الحكومة تأملها.
وقالت إن الاتفاقية كانت “مكلفة للغاية”، كما جرى إبطالها مراراً من قبل المحاكم الوطنية والدولية.
وبدلاً من ذلك، تتوقع دي بيري تصعيد الخطاب بشأن الهجرة عموماً، بما قد يجعل الحملة الانتخابية أكثر استقطاباً ويؤثر بصورة غير متناسبة على مجتمعات المهاجرين.


