تشهد كوباني (عين العرب) منذ أيام حصارًا خانقًا يفرضه الجيش السوري، وسط موجات نزوح جماعي باتجاه المدينة الصغيرة ذات الأغلبية الكردية. وتتفاقم مشاعر الخوف والذعر في البلدة التي انقطع عنها الماء والكهرباء والإنترنت بالكامل إضافة إلى نقص حاد في الوقود، كل هذا تحت وطأة القصف المستمر، وانعدام الأمن الغذائي والصحي.
حصار “من الجهات الأربع”
أجرت “يورونيوز” مقابلات مع عدد من سكان كوباني، نقلوا خلالها صورة قاتمة عن الحياة اليومية تحت الحصار.
يقول مسلم نبو إن المدينة “محاصَرة بالكامل، ولا توجد مياه صالحة للشرب، ولا وقود، ولا كهرباء، فيما المخابز مهددة بالتوقف بسبب نقص الطحين”. ويضيف أن الحديث عن وقف إطلاق نار “لا يعكس الواقع”، إذ تتعرض المنطقة للاستهداف “في كل لحظة بالصواريخ والقذائف والأسلحة الثقيلة”.
ويشدد نبو على أن المجتمع الدولي “لا ينبغي أن يبقى صامتًا”، داعيًا إلى تحرك فعلي لفرض وقف إطلاق نار حقيقي، والتوسط بين المقاتلين الأكراد وحكومة دمشق لإيجاد مخرج لمعاناة السكان. ويقول: “نحن أكراد محاصرون، ومن حقنا أن نعيش حياة كريمة، وسنواصل النضال من أجل حقوقنا”.
بدوره، يصف أشرف محمود الوضع الإنساني بأنه “كارثي”، مشيرًا إلى أن الحصار المستمر منذ أكثر من أسبوع أدى إلى نقص حاد في الحليب والأدوية والمستلزمات الطبية داخل المشافي، ما خلق “حالة من الهلع والفوضى”.
ويناشد محمود الجهات الدولية التدخل العاجل لتأمين الغذاء والدواء، لا سيما للأطفال الرضع والمرضى.
ويُذكر أن الهلال الأحمر الكردي أعلن وفاة خمسة أطفال ورجل يبلغ من العمر 48 عامًا في كوباني، نتيجة البرد الشديد ونقص التغذية في ظل الحصار.
أما سيف الدين قادر، فيشير إلى أن كوباني محاصَرة “من أربع جهات”، ثلاث منها تنتشر فيها فصائل تابعة للحكومة السورية، فيما الجهة الرابعة هي الحدود السورية–التركية المغلقة. ويقول إن المدينة “تدفع اليوم ضريبة محاربتها للإرهاب”، على حدّ قوله، مع انقطاع كامل للكهرباء والمياه والإنترنت، وإغلاق جميع الطرق المؤدية إليها منذ أكثر من عشرة أيام.
من جهتها، تنقل صونيا إبراهيم، وهي كردية من كوباني، مشاهد النزوح الداخلي إلى المدينة، مؤكدة أن كوباني “محاصَرة ومقطوعة بالكامل عن كل مقومات الحياة”.
تقول إن الأهالي يعيشون حالة خوف وذعر، مع توافد سكان القرى المحيطة إلى المدينة الصغيرة التي “لم تعد قادرة على استيعابهم”، ما دفع الكثير منهم إلى الإقامة في المدارس والمحلات التي تفتقر إلى الأبواب والنوافذ، مطالبة العالم بالتحرك وعدم الاكتفاء بالمراقبة عن بعد.
وقد أكدت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أن نحو 134 ألف شخص نزحوا في شمال شرق سوريا بعد المعارك الأخيرة، متجهين نحو مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
مخاوف من تكرار “المجازر”
تقع مدينة كوباني، المعروفة عربياً باسم “عين العرب”، في أقصى شمال سوريا، على بعد نحو 130 كيلومترًا شمال شرقي مدينة حلب، بمحاذاة الحدود السورية–التركية من الجهة الشمالية، فيما يمر نهر الفرات على مسافة تقارب 30 كيلومترًا إلى الغرب منها.
هذا الموقع الجغرافي جعلها على الدوام نقطة تماس حساسة، لا سيما في ظل التحولات العسكرية الراهنة. ومع تصاعد القتال، تتزايد المخاوف من ارتكاب مجازر بحق الأكراد، على غرار ما جرى في الساحل والسويداء، وفق ما يحذّر ناشطون ومراقبون.
وقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان اليوم بوقوع مجزرة في محافظة الرقة، راح ضحيتها ستة مدنيين، بينهم سيدة وطفلان، جميعهم من عائلة واحدة، على طريق الرقة–الحسكة. وبحسب المرصد، جرى “إعدامهم ميدانيًا” على يد فصائل تابعة للحكومة الانتقالية، بعد سؤالهم عمّا إذا كانوا أكرادًا أم عربًا، أثناء محاولتهم الفرار من مدينة الرقة بالتزامن مع اندلاع المعارك.
وكانت “هيومن رايتس ووتش” قد دعت طرفي القتال في سوريا إلى حماية المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، والتحقيق في الانتهاكات.
رفع المظلّة الدولية عن “قسد”
يعيش الأكراد اليوم بأعداد كبيرة في شمال وشرق سوريا، ولا سيما في الحسكة والقامشلي وكوباني، التي تمثل الثقل الديمغرافي والسياسي الأكبر لهم في البلاد. تاريخيًا، كان الوجود الكردي محدودًا في بعض المدن السورية، قبل أن يتعزز بعد الحرب العالمية الأولى. حينها، وُعد الأكراد بكيان قومي بموجب معاهدة سيفر عام 1920، غير أن معاهدة لوزان عام 1923 قوّضت تلك الوعود، ووزعت الأكراد بين أربع دول هي سوريا والعراق وتركيا وإيران.
اليوم، تكتسب مناطق سيطرة “قسد” أهمية إضافية بسبب ما تحتويه من غاز وموارد نفطية وزراعية، ما يجعلها ورقة اقتصادية حساسة لا ترغب دمشق بخسارتها. وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن ما يجري هو محاولة لتفكيك تجربة الحكم الذاتي وتبديد المطالب القومية الكردية، في وقت يتمسك فيه الأكراد بمطلب الإدارة الذاتية.
ويبرز التحوّل في الموقف الأمريكي كعامل مفصلي في تبدّل موازين القوى شمال وشرق سوريا. فبعد سنوات من التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، التي شكّلت رأس الحربة في الحرب على تنظيم داعش، أعلنت واشنطن عمليًا انتهاء دور “قسد”، في خطوة اعتبرها أكراد بمثابة تخلّ صريح عن حليف قديم.
ولم يقتصر هذا التحول على الخطاب السياسي، بل تُرجم ميدانيًا بقرار تسليم ملف سجون عناصر داعش إلى حكومة دمشق، ما أفقد “قسد” إحدى أبرز أوراقها الأمنية والسياسية، وفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة السيطرة والنفوذ في المنطقة.
ويرى مراقبون وبعض سكان المنطقة أن هذا الانسحاب الأمريكي من معادلة الدعم والحماية قد غيّر قواعد اللعبة بالكامل، إذ كانت الولايات المتحدة تشكّل المظلّة الدولية الأساسية لقوات سوريا الديمقراطية، وضامنًا غير مباشر لتجربتها العسكرية والإدارية. ومع رفع هذه المظلّة، وجدت “قسد” نفسها في موقع هشّ، تواجه تقدّم الجيش السوري وضغوطا إقليمية متزايدة، فيما يشعر الأكراد بأنهم تُركوا مجدّدًا لمصيرهم.
وفي هذا السياق، رأى أشرف محمود أن قوات سوريا الديمقراطية كانت قادرة على خلق “نوع من الديمقراطية” وضمان العيش المشترك بين مختلف المكونات، داعيًا في حال الحديث عن دمجها إلى أن يكون ذلك “دمجًا ديمقراطيًا يضمن الأمان لجميع المكوّنات”. كما وجّه نداءً إلى الولايات المتحدةلإعادة حساباتها، معتبرًا أن الأكراد الذين حاربوا تنظيم داعش “لا يستحقون الخذلان”.
أهمية كوباني عين العرب
بدوره، وصف سيف الدين قادر مدينة كوباني بأنها “رمز الهوية القومية الكردية في سوريا، ورمز المقاومة والانتصار على داعش”، مؤكدًا تمسك الأكراد بفكرة الحكم الذاتي، ليس للكرد فقط، بل “لكل مكوّنات الشعب السوري من علويين ودروز ومسيحيين وسنة وشيعة”، بحسب تعبيره. وينتقد قادر الموقف الأمريكي، واصفًا إياه بـ”المخزي”، معتبرًا أن ما يجري يمثل “خيانة ثانية للأكراد”، في وقت يرى فيه أن خطر داعش “لم ينتهِ بعد”، وأن عودة التنظيمات المتطرفة تشكل تهديدًا يتجاوز سوريا إلى العالم بأسره.
دمشق ترفض أي إدارة خارج سلطتها
حاولت “يورونيوز” التواصل مع مسؤول في الحكومة السورية للحصول على تعليق مباشر من دون أن تتلقى ردًا على أسئلتها، على اعتبار أن التصريحات العلنية الصادرة عن دمشق تفي بالغرض في التعبير عن هذا الموقف.
تطرح الحكومة السورية موقفها من “قسد” باعتبارها “قوة انفصالية” أو “مشروعًا خارج سلطة الدولة”، وتؤكد رفضها أي كيان عسكري أو إداري لا يخضع مباشرة لدمشق.
وفي تصريحاتها العلنية، تشدد الحكومة على أن أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية أو الفيدرالية “مرفوض دستوريًا”، وأن وحدة الأراضي السورية “خط أحمر”، معتبرة أن الدولة وحدها هي المخوّلة بالتفاوض باسم جميع السوريين في مرحلة ما بعد الأسد، في مسار ترسيخ الاستقرار والأمن.
وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان انتهاكات نُسبت إلى “قسد” خلال الأحداث الأخيرة في محافظة الرقة. وبحسب حصيلة أولية، فقد قُتل ما لا يقل عن 22 مدنيًا، بينهم ثلاثة أطفال، يوم الأحد 18 كانون الثاني/يناير 2026.
وأفادت الشبكة بأن 12 مدنيًا قُتلوا نتيجة عمليات قنص، وخمسة آخرون، بينهم طفل، جراء إطلاق نار مباشر، فيما قُتل طفلان بقصف برّي استهدف مناطق سكنية. كما لقي مدنيان مصرعهما في غارة بمسيّرة انتحارية، إضافة إلى حادثة اختطاف مدني عُثر عليه مقتولًا في اليوم التالي.
كما جرى تداول مقاطع فيديو تُظهر إخراج أطفال من سجن الأقطان، الذي كان خاضعًا لسيطرة “قسد” قبل أن يتسلّمه الجيش السوري، في مشاهد أثارت انتقادات واعتبرها نشطاء انتهاكًا لحقوق الأطفال القاصرين.
مقاطع الفيديو من تقديم المواطنة السورية الكردية روكان أورال











