نشرت في
تشهد المؤسسة العسكرية الأمريكية تحولًا في طبيعة خطابها وآليات عملها، حيث بدأت تظهر توجهات جديدة تدمج بين الوازع الديني والنزعة القومية في صلب صناعة القرار الاستراتيجي والسياسة الدفاعية.
اعلان
اعلان
ويبرز في هذا السياق وزير الحرب، بيت هيغسيث، كعنصر يقود هذا التحول، إذ تعكس قراراته الإدارية وتصريحاته السياسية أيديولوجية ذات مرجعية دينية واضحة. وقد أدى هذا التوجه إلى تصاعد الجدل، داخليًا وخارجيًا، حول الهوية المستقبلية للجيش الأمريكي، ومدى تأثير اندماج الدين بالعقيدة العسكرية على دور المؤسسة في المشهد السياسي العام.
وتشير التقارير الصحفية إلى أن سياسات هيغسيث تتجاوز الأطر العسكرية التقليدية، مستهدفة إعادة صياغة منظومة القيم والمعايير الانضباطية داخل صفوف القوات المسلحة.
ويبرز في هذا السياق ملف “المظهر الشخصي”، وخصوصًا مسألة إطلاق اللحى، كواجهة بارزة لهذا الصراع القيمي. فقد اتجه الوزير نحو فرض قيود صارمة على المظهر الخارجي للعسكريين، مع وضع عقبات إجرائية مشددة أمام طلبات الإعفاء لأسباب دينية.
وكشفت صحيفة The Intercept عن تفاصيل إجرائية جديدة تُعمّق هذا التحول، حيث بات على الجنود الراغبين في الحصول على استثناءات دينية تقديم أدلة مكتوبة تثبت “صدق” معتقداتهم، مع إخضاع هذه القناعات الشخصية لتقييم مباشر من قبل قادتهم العسكريين.
وقد قوبلت هذه السياسات بانتقادات حادة من منظمات حقوقية اعتبرتها تدخلاً في حرية المعتقد وضمانات الضمير داخل الجيش. وتشير التقارير إلى أن العبء الأكبر لهذه الإجراءات يقع على الجنود من خلفيات دينية محددة، لا سيما المسلمين والسيخ، الذين تشكل اللحية أو إطالة الشعر جزءًا جوهريًا من هويتهم وممارساتهم الدينية.
ونقلت الصحيفة عن ائتلاف السيخ انتقادات لاذعة، واصفًا الإجراءات بأنها “غير مبررة”، مؤكدًا أن التسهيلات الدينية كانت تُطبق بسلاسة خلال الإدارات السابقة دون أن تشكل أي عائق.
وعلى الصعيد السياسي، امتدت التحذيرات إلى الكونغرس، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ عن قلقهم من أن هذه القيود قد تؤدي إلى “نزيف كفاءات”، عبر دفع العسكريين المتدينين لمغادرة الخدمة، مما قد يضر بالجاهزية القتالية للجيش الأمريكي نتيجة فقدان كوادر مدربة بسبب عوائق إجرائية مرتبطة بالهوية الشخصية.
خطاب ديني واضح
ترتبط هذه الإجراءات بتنامي ما يُعرف بـ”القومية المسيحية” داخل الجيش الأمريكي.
ووفق تقرير The Intercept، يظهر تحول أيديولوجي يشمل خطابًا دينيًا صريحًا، واعتبار الحرب على إيران جزءًا من “خطة إلهية”.
وأعلنت مؤسسة الدفاع عن الحرية الدينية أن أكثر من 200 جندي أمريكي قدموا شكاوى ضد استخدام بعض القادة خطابًا مسيحيًا متطرفًا لتبرير الحرب على إيران، معتبرينها جزءًا من “الخطة الإلهية” ونهاية الزمان.
وتضمنت الشكاوى إشارات إلى “هرمجدون” وادعاءات بأن الرئيس السابق دونالد ترمب مختار من المسيح لإشعال الصراع.
وتؤكد صحف غربية كبرى أن هيغسيث يمثل نمطًا جديدًا في القيادة العسكرية، يجمع بين الخطاب القتالي الحاد والرؤية الدينية الحضارية، مع استخدام رموز دينية مثل “صليب القدس”، وتصوير الصراع مع إيران على أنه مواجهة حضارية شاملة.
ويشير الصحفي فريديريك أوتان إلى أن هيغسيث يحوّل الخطاب العسكري إلى استعراض إعلامي يُبرز التفوق الأمريكي، فيما يحذر باحثون من أن هذا الأسلوب قد يعزز تصوّر الحرب كصراع بين الغرب والعالم الإسلامي.
وترى المؤرخة ديانا باتلر أن أفكار هيغسيث تتصل بالتيارات المسيحية القومية التي تهدف لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية دينية محافظة، بينما يربط الباحث ماثيو تايلور توجهاته بالعداء تجاه المسلمين والإعجاب بالنماذج التاريخية للحروب الصليبية.
“شرعية دينية” للعنف العسكري
يذهب الباحث روبرت بي جونز إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن خطاب هيغسيث يمنح العنف شرعية دينية، ما قد يحوّل الصراع السياسي إلى مواجهة دينية محتملة.
ويرى محللون أن هذا التحول يحمل مخاطر استراتيجية، إذ قد يعزز الروايات المضادة في الشرق الأوسط التي تصوّر الحرب كصراع ديني، مما قد يؤدي إلى تصعيد طويل الأمد.
وتكشف المعطيات عن تحول معقد داخل الجيش الأمريكي، إذ لم يعد الصراع يُدار فقط بلغة الاستراتيجية والمصالح، بل أصبح يتقاطع مع تأويلات دينية وأيديولوجية. وبينما يرى أنصار هذا التوجه أنه يعزز الحسم والردع، يحذر منتقدوه من أنه يضعف حياد المؤسسة العسكرية ويهدد التعددية الدينية، ويعيد تشكيل طبيعة الصراعات الدولية لتصبح أقرب إلى مواجهات حضارية أو دينية، ما يحمل تداعيات بعيدة المدى على الأمن والاستقرار العالمي.
ويُعرف هيغسث بتبنيه للقومية المسيحية، وفي أغسطس 2025، أعاد الوزير نشر تقرير لشبكة “سي إن إن” على منصة “إكس” عن القس دوغ ويلسون، القومي المسيحي ومؤسس جمعية الكنائس الإصلاحية الإنجيلية في أيداهو (CREC).
وفي التقرير، قال ويلسون إنه لا يعتقد أن النساء يجب أن يشغلن مناصب قيادية في الجيش أو أدوارًا قتالية بارزة، وأضاف: “أود أن أرى هذه الأمة دولة مسيحية، وأود أن أرى هذا العالم عالمًا مسيحيًا”.












