الجليد البحري في القطب الشمالي، الذي بدأ رصده بالأقمار الصناعية منذ عام 1978، يشهد تراجعا كبيرا خلال العقود الأخيرة. ففي يوم 22 آذار/مارس الماضي، بعد انتهاء فصل الشتاء، فترة التراكم الأكبر، يُرجَّح أنه سُجِّل الحد الأقصى لمساحة الجليد لعام 2026 عند 14,33 مليون كيلومتر مربع، وفقا للمركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلج والجليد (NSIDC). إنها أدنى ذروة تُسجَّل منذ بداية القياسات، وللعام الثاني على التوالي.

اعلان


اعلان

ومع ارتفاع حرارة هذه المنطقة بوتيرة تكاد تبلغ أربعة أضعاف باقي الكوكب، تُفتح مسارات بحرية جديدة وفرص عمل واستثمار لدول عديدة ظلّت، منذ قرون، تراقب أقصى شمال الأرض باهتمام، مفتونة بعزلته وظروفه المناخية المواتية للبحث العلمي، لكن بالدرجة الأولى بما يختزنه من ثروات طبيعية، من النفط والغاز إلى المعادن الإستراتيجية.

ويوضح أحدث تقرير لمجلس القطب الشمالي (المصدر باللغة البرتغالية) حدوث زيادة بنسبة 40% في عدد السفن المختلفة التي تعمل في هذه المنطقة خلال الأعوام 12 الماضية، بينما قفزت المسافة المبحورة بنسبة 95%، من 6,1 مليون إلى 11,9 مليون ميل بحري. وتجدر الإشارة إلى أن هذه البيانات تشمل السفن التابعة للدول القطبية الثماني (الولايات المتحدة، كندا، آيسلندا، النرويج، السويد، فنلندا، الدنمارك وروسيا)، وكذلك السفن التي تدخل كثيرا إلى المنطقة التي يحددها “مدونة القطبين” تحت أعلام الدول المراقبة في مجلس القطب الشمالي.

وعلى الرغم من أن ذوبان الجليد الناجم عن تغيّر المناخ يجعل المنطقة أكثر جاذبية لرحلات السفن الحربية وسفن الشحن والرحلات البحرية، فإن الملاحة في خطوط العرض العليا بعيدة كل البعد عن أن تكون آمنة أو هادئة. وتكتب إيكاترينا أوريوبوفا، الباحثة في “معهد القطب الشمالي”، أن “في الكثير من الجوانب، يُعدّ الذهاب إلى الفضاء أسهل من قيادة وتشغيل السفن في المناطق القطبية”، تكتب (المصدر باللغة البرتغالية) إيكاترينا أوريوبوفا، الباحثة في معهد القطب الشمالي.

إلى جانب التحديات التي يفرضها تكثيف حركة الملاحة، يؤدّي الاحترار العالمي إلى جعل طبقة الجليد أرق، ما يسبّب زيادة في تفتت الأنهار الجليدية وتكوّن عدد أكبر من “icebergs”. وحتى أيام الصيف لا تخلو من المشكلات؛ ففي هذه الفترة يشتد الذوبان بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

الصفائح الجليدية الطافية فوق الماء تبقى غير متوقعة السلوك؛ فعندما تدفعها الرياح أو التيارات البحرية لتصطدم ببعضها، تتراكم لتتحول إلى ما يشبه “سلاسل جبلية” على السطح (“القمم”) وأيضا تحت الماء (“الكيول”)، حيث يمكن أن تصل التكوّنات الغاطسة إلى عشرات الأمتار. ويمثّل ذلك أحد أخطر التهديدات لأفراد المهمات على متن الغواصات في المحيط المتجمد الشمالي. وإذا كانت الغواصة تقليدية، وبالتالي محدودة القدرة على البقاء في وضع الغمر، فإن الخطر يكون أكبر، لأن الصعود إلى السطح يصبح مستحيلا أو بالغ الصعوبة في مناطق كثيفة التغطية الجليدية.

وهناك أيضا خطر الفيضانات أو، وهو الأرجح، الحرائق. ففي رواية قدّمها لموقع “The War Zone” (المصدر باللغة البرتغالية) المتخصص في شؤون الدفاع، يشرح إريك مورينو، وهو محارب قديم في البحرية الأمريكية وخدم كغواص بين عامي 2001 و2008، أنه كلما كان حجم الغواصة أكبر “زادت كمية الهواء المتاحة لامتصاص حريق”، الأمر الذي يمنح الطاقم “وقتا أطول للتعامل معه كما ينبغي”. وعلى العكس من ذلك، يلفت الخبير إلى أن هامش المناورة أضيق بكثير في الغواصات التقليدية التي تكون أصغر حجما وذات ارتفاع داخلي منخفض، ما يجعلها أكثر عرضة لـتراكم أسرع للحرارة والدخان، ويزيد صعوبة الاستجابة لحالات الطوارئ.

وبسبب كونها ساحة عمليات ذات ظروف قصوى، ظلت الملاحة تحت الجليد في القطب الشمالي، منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، حكرا على الغواصات النووية، ومعظمها يتجاوز طولها 100 متر وتتمتع بسرعات عالية واستقلالية شبه غير محدودة. غير أن البحرية البرتغالية تغلّبت على كل المخاوف، حتى لدى حلفائها في الناتو، ففي ما بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2024 أبحرت الغواصة البرتغالية “NRP Arpão” في أعماق هذه المياه الجليدية، لتصبح أول غواصة تقليدية تقدم على ذلك في التاريخ الحديث.

وضمّ الطاقم، المؤلف من 30 عنصرا بقيادة القبطان تافيرا بينتو، الغواصة تحت الغطاء الجليدي قبالة سواحل غرينلاند لمدة إجمالية بلغت أربعة أيام، في مهمة غير مسبوقة سواء على مستوى الكفاءة العملياتية أو في ما يتصل بتجاوز حدود كان يُعتَقَد أنها غير قابلة للاختراق. وبهذا انضمت البرتغال إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا ضمن مجموعة محدودة من الدول التي سبق لها العمل تحت الغطاء الجليدي القطبي، مع العلم أن هذه القوى تمتلك أفضلية استخدام الغواصات العاملة بمفاعلات نووية.

“كفاءة عملياتية ذاتية”

غادرت الغواصة “NRP Arpão” القاعدة البحرية في لشبونة في 3 نيسان/أبريل 2024، في إطار عملية الناتو “Brilliant Shield”، لتنفيذ مهمة استمرت 78 يوما بدعم من بحريات الولايات المتحدة وكندا والدنمارك، وتضمنت مراحل عدة، بمجموع 1.800 ساعة إبحار، منها 1.500 ساعة في وضع الغمر.

وعقب إنهاء الدورية الأولى التي استمرت 22 يوما، واستُخدمت لاختبار الإجراءات الجديدة والتعديلات المنفذة، رست الغواصة في ميناء نوك في غرينلاند للتزود بالوقود والمؤن. ثم واصلت الرحلة شمالا متجاوزة خط العرض 66º33’ شمالا، الذي يحدّد تخوم الدائرة القطبية الشمالية، وفيها كان على متن الغواصة آنذاك رئيس أركان البحرية، هنريكي غوفييا إي ميلو، الذي كان قد تصوّر هذه الحملة قبل أكثر من عقد.

وبعد 39 ساعة و30 دقيقة من الغمر العميق تحت الجليد، شرع الطاقم في استكشاف الغطاء الجليدي، وهو ما استلزم تحديد الفتحات الطبيعية التي يمكن استخدامها للصعود الاضطراري إلى السطح، إضافة إلى مراقبة سماكة الغطاء المتجمد وكثافته.

وقد استند هذا الإنجاز للبحّارة البرتغاليين إلى تكنولوجيا الدفع المستقل عن الهواء AIP (“Air Independent Propulsion”) التي تجهز بها “Arpão”. فهذا النظام المعتمد على خلايا الوقود، والمزوّد بخزانات للهيدروجين والأوكسجين، لا يحتاج إلى هواء نقي لشحن البطاريات، إذ يوفّر إنتاج الطاقة تحت الماء، ما يتيح لهذه الغواصات الديزل-الكهربائية أو التقليدية إطالة زمن الغمر بشكل كبير، حتى ما بين أسبوعين وثلاثة أسابيع بحسب السرعة، وهو ما يجعل تنفيذ الدوريات تحت الجليد ممكنا.

ومن هنا، انطلقت الثقة في تنفيذ هذه المهمة من “تقييم تقني صارم يؤكد أن للمنصة خصائص ذاتية متوافقة مع هذا النوع من البيئات [القطبية]”، كما تشرح البحرية البرتغالية لـ”يورونيوز”. لكن هذه المغامرة ما كان لها أن تنجح لولا “إعداد شديد الصرامة” استمر سبعة أشهر، شمل “دراسة معمقة للمنطقة” و”تعديلات مادية ملموسة” بعد مراجعة أنظمة الغواصة.

وفي الفيلم الوثائقي الرسمي عن هذه التجربة، يروي غوفييا إي ميلو أن طاقم “Arpão” صادف “جبالا” من الجليد امتدت “تسعين مترا إلى أسفل” سطح الماء. وتشكل هذه العوائق جزءا مما تصفه البحرية بأنه “مزيج معقد من التحديات”، تبدأ من “الجليد الثابت والجليد الطافي والجبال الجليدية” مرورا بـ”الظروف الصوتية المختلفة تماما عن تلك السائدة في البحار المفتوحة” وصولا إلى “شدة محدودية الخيارات في حال وقوع طارئ على متن الغواصة”.

ومن إجراءات الحد من المخاطر تركيب سونار عالي التردد بدعم من المعهد الهيدروغرافي (المصدر باللغة البرتغالية)، إضافة إلى حساسات متخصصة للكشف عن الجليد وقياس سماكته وتعزيز سلامة الملاحة. كما صُمِّمت وركِّبت، في شركة “أرسنال دو ألفيتي” (Arsenal do Alfeite S.A.)، حمايات على برج الغواصة لمنع اصطدام الصواري الأكثر حساسية، ولا سيما المنظار والصاري البصري، مباشرة بالصفائح الجليدية.

وتشير البحرية، لافتة إلى أن “المستشعرات والهندسة والتدريب والعقيدة عُدِّلت لتناسب مسرح عمليات شديد الخصوصية والعزلة”، إلى أنها أظهرت لحلفائها أن “القدرات الغواصية البرتغالية ناضجة تقنيا وقادرة على التعلّم السريع والتكيّف (…) في بيئات شديدة التعقيد”.

وقد قدّم الخبراء الأمريكيون في عمليات الجليد (“Ice Pilots”) “توجيها أوليا”، لكن البرتغاليين هم من تولّوا “إلى حدّ كبير” دراسة المنطقة، وإعداد سيناريوهات الطوارئ، وتدريب الطاقم، والاستغلال التكتيكي لمستشعرات الغواصة، كما تؤكد البحرية، وهو ما “يبرهن على قدرة وطنية على تحليل البيانات الجوية والبحرية، واستيعاب معرفة الحلفاء وتحويلها إلى كفاءة عملياتية ذاتية”.

حيث لم يجرؤ أي غواص غربي منذ الحرب العالمية الثانية

كما أن الملاحة في وضع الغمر على عمق يسمح بوضع الصواري فوق سطح الماء (عمق المنظار)، في ما يُعرَف بـمنطقة الجليد الهامشي MIZ (“Marginal Ice Zone”)، عززت أكثر من قيمة المهمة البرتغالية.

كانت هذه المناورة مصدر دهشة عامة بين الحلفاء، كما يعترف القائد تافيرا بينتو في الوثائقي، معتبرا إياها ذروة العملية. فالـMIZ هي منطقة التقاء الغطاء الجليدي الصلب بالمياه المفتوحة، حيث تؤدي العواصف العنيفة والأمواج العاتية إلى تفتيت الكتل الجليدية بسرعة أكبر ودفعها في مسارات لا يمكن التنبؤ بها.

وتؤكد البحرية أنه منذ الحرب العالمية الثانية لم تجرؤ أي غواصة أخرى من دول الغرب على العمل في هذه المنطقة “الشديدة الإشكالية” وذات القدر الكبير من “اللايقين”، حيث “تصبح عمليات الكشف والمناورة أكثر تعقيدا” بسبب “الجليد المتفتت والصفائح ذات الأحجام المتباينة والضجيج البيئي العالي والحياة البحرية، وكلها عوامل تقوّض الاستخدام الطبيعي للسونار كحساس رئيسي للسلامة”.

ويُعَد استخدام الأجهزة في هذا السياق الفوضوي مهمة بالغة الحساسية أيضا بسبب “المخاطر المادية المرتبطة بها”؛ إذ قد تبلغ مساحة الصفائح الجليدية في هذه المنطقة حدا يكفي لإحداث أضرار بنيوية إذا ما اصطدمت بالغواصة.

“ولهذا السبب أحدثت التقنية التي طوّرتها “NRP Arpão” للعودة إلى عمق المنظار فارقا، وسمحت بتحويل منطقة كانت تُتجنَّب تقليديا إلى حيز أصبح من الممكن العمل فيه بدرجة مقبولة من الأمان”، كما تؤكد البحرية، موضحة أن هذا التمرين أتاح “حرية حركة” أكبر ومرونة في عمليات الغواصات في القطب الشمالي.

وأكثر من مجرد إثبات القدرة على العمل في محيط جليدي، قدّمت “Arpão” “ابتكارا تكتيكيا في بيئة حقيقية” مع “قدرة على التكيّف” مع مسرح عمليات يعتمد الوصول إليه والبقاء فيه والحفاظ على التخفي على قرارات بالغة الدقة. وبهذه الطريقة “أنتجت البرتغال معرفة ذات صلة عملياتية للحلفاء” جرى توثيقها في دليل للملاحة في القطب الشمالي، يشكل قاعدة مرجعية شاملة تسهّل عمل كل من يقرر مستقبلا خوض مهمات في هذه المنطقة.

وبعد أن شقّت طريقا في أرض مجهولة وجرّبت خطوات لم تُصمَّم الوسائل والتقنيات أساسا لتحمّل متطلباتها، قامت البرتغال بتنظيم هذه الخبرات في ما تقدمه البحرية بوصفه “أداة عقائدية” تعرض الدروس المستفادة من تجربة واقعية.

ويتعمّق هذا المنشور في متغيرات مختلفة، من بينها الإعداد المتعدد التخصصات، وفهم السلوك الصوتي في بيئة غير مألوفة للبرتغاليين، وتقييم الجليد، وتكييف الإجراءات المرتبطة بالسلامة.

وتُؤخذ هذه الدروس اليوم في الحسبان من جانب كندا، حليفة البرتغال في الناتو، لإجراء التعديلات الضرورية على أسطولها الجديد من الغواصات وضمان جاهزيتها للعمل في القطب الشمالي الكندي، الذي يشكّل 40% من مساحة البلاد وأكثر من 70% من خطها الساحلي.

تكييف “Arpão” كنموذج يُحتذى

ويقول هاريسون نغوين-هويْن، قائد في البحرية الكندية، الذي كان على متن “Arpão” طوال عملية عام 2024 بصفته ضابط ارتباط لدعم الطاقم، في حديث لـ”يورونيوز”: “أكثر ما لفت انتباهي هو الطريقة التي تعامل بها طاقم “NRP Arpão” والبحرية البرتغالية مع المهمة؛ كانوا هادئين ومهنيين ومستعدين إلى أدق التفاصيل“.

وإشادة بسلوك الغواصين البرتغاليين وروح التعاون لديهم، يوضح القائد نغوين أن هذا التمرين في إطار الناتو مثّل فرصة جديدة مهمة للتعاون مع الحلفاء، “من أجل الحصول على معلومات حول بعض تحديات العمل في الشمال”.

ويضيف نائب قائد قوة الغواصات الكندية أن مراقبة “Arpão” في “عمليات قريبة من الجليد وفوقه وتحته” ستساعد أوتاوا في تحديث غواصاتها، ولا سيما أن “أحد المتطلبات الرئيسية” لبرنامج الاقتناء الجاري هو “القدرة على العمل في بيئة القطب الشمالي”.

وأُطلِق المشروع عام 2021 بهدف دراسة البيئات العملياتية، ومن ثم تحديد خصائص وتقنيات الغواصات المستقبلية للبحرية الكندية التي ستحل محل الأسطول الحالي (أربع غواصات) من فئة “فيكتوريا”، التي اشترتها كندا مستعملة من المملكة المتحدة عام 1998 والمقرر إخراجها من الخدمة في نهاية ثلاثينيات هذا القرن.

ولم يستبعد رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو خيار الدفع النووي، غير أن سلطات الدفاع في البلاد رفضته في ما بعد بسبب تكلفته الأعلى بكثير.

وفي بيان (المصدر باللغة البرتغالية) صدر في آب/أغسطس 2025، أكدّت الحكومة الكندية برئاسة مارك كارني عزمها شراء ما يصل إلى 12 غواصة “تتمتع بمدى واستقلالية موسَّعين، يوفران التخفي والاستمرارية والقدرة التدميرية كقدرات أساسية”. وأضافت الحكومة أن كندا، التي تمتلك أطول خط ساحلي في العالم بأكثر من 202 ألف كيلومتر، تحتاج إلى أن تكون قادرة على “اكتشاف وتتبع وردع، وإذا لزم الأمر، هزيمة الخصوم” في “المحيطات الثلاثة” للبلاد، كما جاء في البيان.

وبرغم أن الحديث يدور عن غواصات تقليدية، فإن مشروعا بهذا الحجم والطموح يفرض فتح خزائن الدولة على مصراعيها. إذ تشير تقديرات إلى 60 مليار دولار (نحو 51 مليار يورو)، فيما توقع محللون في مجال الدفاع أن يصل الإجمالي إلى نحو 100 مليار دولار (قرابة 85 مليار يورو)، بحسب ما نقلت صحيفة “Ottawa Citizen” (المصدر باللغة البرتغالية) الكندية.

ووفقا للصحيفة نفسها، قد تكون هذه أكبر صفقة تسليح في تاريخ كندا. وتريد الحكومة تسريع العملية، وقد يُوقَّع العقد هذا العام، لكن البحرية الكندية قدّرت، منذ عام 2025، أن أول غواصة لن تصبح جاهزة للعمل بشكل كامل قبل عام 2037.

وكشف نائب قائد البحرية الكندية، الأدميرال أنغوس توبشي، لصحيفة “The Globe and Mail” أن الغواصات الجديدة لن تُسلَّم مزوّدة بكل القدرات اللازمة للملاحة تحت جليد القطب الشمالي. وهنا يبرز مثال البرتغال؛ إذ إن التعديلات والإضافات التي أُجريت على “Arpão” ستوجّه أعمال التجهيز التي ستنفَّذ بعد التسليم، سواء على مستوى البنية أو في ما يخص المعدات المتخصصة.

ويشدّد القائد نغوين، في حديثه لـ”يورونيوز”، على أن السلامة إحدى الأولويات. ومن هنا تأتي أهمية تركيب حمايات لحماية الصواري وتعزيز متانة الأبراج، وهي من أبرز التعديلات التي أدخلها البرتغاليون، باعتبارها شرطا أساسيا لتجنّب الأضرار البنيوية في حال الاضطرار إلى خرق الجليد في وضع طارئ.

ويوضح نغوين أن جانبا أساسيا آخر هو الفعالية التي ضُمنت، إلى حد كبير في مهمة 2024، عبر السونار المتخصص المثبَّت أعلى البرج، والذي كان مفيدا في رسم خريطة للجليد في الأعلى والكشف عن المساحات المائية المفتوحة. فعمليات القطب الشمالي تتطلّب رؤية ثنائية الأبعاد (فوقية وتحتية)، وقد مكّنت هذه القدرة الإضافية “Arpão” من مراقبة “السقف” الجليدي، ما منحها وعيا ملاحيا بحريا أدق.

وبالنسبة للمهمات القطبية المستقبلية التي ستنفَّذ بواسطة غواصات ديزل-كهربائية، ترسم التجربة البرتغالية خطوطا إرشادية مهمة في ما يتعلّق بتنفيذ المناورات الثابتة وفهم خصوصيات منطقة الجليد الهامشي، حيث يؤثر الضجيج الناجم عن حركة الجليد في أداء المستشعرات. كما أن اختلاط المياه العذبة بمياه البحر يمكن أن يؤثر في انتقال الصوت وتحليله، كما تذكّر الجمعية الكندية لحلف الناتو (المصدر باللغة البرتغالية). وبالتالي ستكون التسجيلات التي أجراها البرتغاليون موردا مهما يساعد، على سبيل المثال، في التعرف على الأصداء الزائفة قرب الجليد وتحسين القدرة على الكشف.

وتشير البحرية، في حديثها لـ”يورونيوز”، إلى أن النتائج التي حققتها “Arpão” لقيت “ترحيبا إيجابيا للغاية” من جانب الحلفاء وأن اجتماعات عدة عُقدت بعد المهمة لتبادل المعرفة ورسم “خطوط عمل للخطط المستقبلية”.

ويؤكد القائد نغوين أن “تبادل المعلومات وأفضل الممارسات مع الحلفاء يعزز قدرتنا الجماعية ويزيد من فعالية عملياتنا”، مشيرا إلى أن كندا، باعتبارها “دولة قطبية”، ترى الحملات في “الشمال” “أساسية” لحماية سيادتها.

الغواصات التقليدية كوسيلة قتال تحت الجليد

في الوقت الراهن لا خطط لمهمات جديدة للغواصات البرتغالية في القطب الشمالي “نظرا لأولوية مهام عملياتية وإستراتيجية أخرى”، كما يقول المتحدث باسم البحرية ريكاردو سا غرانجا في مقابلة مع “يورونيوز”. ومع ذلك تبقى البرتغال يقِظة لما يجري في هذه المنطقة “التي تتصاعد فيها المنافسة الجيوسياسية”.

فالقطب الشمالي يشهد، في الواقع، عسكرة متزايدة. فروسيا تمتلك في شبه جزيرة كولا، المحاذية للنرويج وفنلندا، إحدى أكبر تجمعات الأسلحة النووية في العالم، وتُشغّل في تلك المياه غواصات قادرة على حمل عشرات الرؤوس الحربية لكل منها.

كما لوحِظ تزايد في الوجود الغواصي الروسي قرب ممر GIUK، وهو نقطة إستراتيجية في شمال الأطلسي بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، لها أهمية حيوية للوصول من القطب الشمالي إلى مياه الأطلسي. ووفقا لقادة في الناتو، ربما تجاوز مستوى النشاط في هذه المنطقة ما كان عليه في زمن الحرب الباردة.

أما الصين فأعلنت نفسها عام 2018 “دولة شبه قطبية” وتواصل الاستثمار في “طريق الحرير القطبي”، وهو مشروع يهدف إلى فتح مسارات بحرية تجارية جديدة عبر المحيط المتجمد الشمالي لتقليص زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا إلى 18 يوما.

في مواجهة هذا التصعيد والتهافت، تؤكد البحرية البرتغالية التزامها بـ”جهد جماعي يسهم في استقرار” أقصى الشمال، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن “الردع والدفاع عن الفضاء الأوروأطلسي لا يمكن أن يكونا مجرد شعارات مجردة”.

وتبيّن المهمة التي نفذتها “Arpão” أيضا أن البرتغال ودولا أخرى، رغم القيود المرتبطة بالغواصات التقليدية، تملك مقومات لعب دور أكثر نشاطا في القتال تحت سطح البحر، بما في ذلك العمليات الدائرة تحت الجليد.

فمن جهة، تحدّ هذه الغواصات السرعة الأقَل وزمن الغمر الأقصَر من قدراتها، لكنها، من جهة أخرى، تستطيع أن تبقى شديدة الهدوء عندما تعمل على طاقة البطاريات. وهذه القدرة على التخفي ميزة يمكن استغلالها، في ظل المناخ الحالي الأكثر توترا، في عمليات المراقبة والاستخبارات وغيرها.

ويشير سا غرانجا إلى أن العمل في شمال الأطلسي “يتطلّب قدرة على كشف وتتبع، وإذا لزم الأمر، مواجهة التهديدات الغواصية”، وهو ما يتحقق عبر “إتقان مختلف أبعاد القتال”. وفي القطب الشمالي، حيث “تكون السرية والاستمرارية واللايقين عوامل حاسمة”، تكتسب الغواصات “أهمية عملياتية كبيرة” ويمكنها “توسيع الخيارات التكتيكية ورفع مستوى التعقيد أمام أي خصم محتمل“، كما يقول المتحدث باسم البحرية.

ومن الناحية السياسية، أثبتت البرتغال أنها “فاعل موثوق” في الدفاع عن التحالف، بقدرة عمل تمتد إلى ما هو أبعد كثيرا من محيطها القريب لتشمل “مناطق جغرافية بعيدة عن أراضيها القارية، لكنها ترتبط مباشرة بأمن الأطلسي”.

**”**ويختتم سا غرانجا قائلا: “High North”، تصبح شركاء ذوي قيمة خاصة“، مؤكدا أن “الأهمية الإستراتيجية” لدولة بحجم البرتغال لا تكمن فقط في “حجم ما تمتلكه من وسائل”، بل أيضا في “قدرتها على تقديم كفاءات متمايزة ومفيدة للحلف”.

وتؤكد البحرية أنها ستواصل متابعة التطورات في القطب الشمالي، وأنها “مستعدة، إذا طُلب منها ذلك، للعودة والمساهمة في سيناريوهات مماثلة”، ولا سيما في إطار الناتو.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version