تتحرك فرنسا ولبنان لمنع انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل” مع نهاية العام، في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية منتشرة في أجزاء واسعة من جنوب البلاد، بينما يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه.
اعلان
اعلان
وبحسب “فايننشال تايمز”، تقود باريس وبيروت جهوداً داخل مجلس الأمن الدولي لتمديد مهمة القوة لفترة محدودة، رغم اعتراض إسرائيل ودعم أميركي سابق لإنهاء المهمة التي تعد من أقدم عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وفي رسالة وجهتها الحكومة اللبنانية إلى مجلس الأمن هذا الشهر، اعتبرت بيروت أن إنهاء تفويض اليونيفيل في 31 ديسمبر/كانون الأول المقبل سيكون “سابقاً لأوانه”، داعية إلى الإبقاء على “الترتيب الحالي لفترة زمنية محدودة”.
وقال ثلاثة أشخاص مطلعين على المفاوضات إن فرنسا ومعظم أعضاء مجلس الأمن أبدوا تأييدهم للطلب اللبناني خلال النقاشات الأخيرة، في مقابل معارضة إسرائيلية قوية.
وكانت الولايات المتحدة من أبرز الداعمين لإنهاء مهمة اليونيفيل، التي بدأ وجودها في لبنان قبل نحو خمسة عقود. ومع ذلك، لم يتضح بعد ما إذا كانت إدارة الرئيس الأميركي ستستخدم حق النقض إذا تقدمت فرنسا بمشروع قرار جديد لتمديد التفويض.
وقال أحد المطلعين على الملف إن واشنطن أدركت “في وقت متأخر جداً” أن بعض المهام التي تضطلع بها اليونيفيل ولا يمكن استمرارها بعد انتهاء التفويض تحتاج إلى بديل، مضيفاً أن شكل هذا البديل لا يزال غير محسوم.
ورفضت البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة التعليق على المفاوضات، كما امتنع قصر الإليزيه عن الإدلاء بأي موقف.
وتحاول فرنسا منذ أشهر الدفع باتجاه إنشاء مهمة جديدة تحل محل اليونيفيل، على أن تتولى، إلى جانب المهام الأمنية، تقديم الدعم العسكري والتدريب للجيش اللبناني.
وتشارك باريس حالياً بنحو 600 جندي في اليونيفيل، فيما قُتل جنديان فرنسيان العام الماضي في هجوم حملت فرنسا حزب الله مسؤوليته.
لماذا تتمسك بيروت باليونيفيل؟
تأسست اليونيفيل عام 1978، بعد اندلاع مواجهات بين إسرائيل وفصائل فلسطينية مسلحة في لبنان، قبل أن يتوسع تفويضها وحجم انتشارها على مر السنوات.
وشاركت قوات من نحو 50 دولة في المهمة، التي تولت مراقبة اتفاقات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، والعمل على ضمان خلو جنوب لبنان من المسلحين والأسلحة غير القانونية.
لكن المنطقة شهدت منذ ذلك الحين جولات جديدة من القتال.
وبعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اندلعت مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، تحولت لاحقاً إلى حرب مفتوحة، قبل أن تتجدد في عام 2026 خلال الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران.
وخلال العامين الماضيين، نص اتفاقان لوقف إطلاق النار توسطت فيهما الولايات المتحدة على نزع سلاح حزب الله، وتولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية في الجنوب، إلى جانب انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تسيطر عليها.
وبموجب الترتيبات الحالية، ينتهي تفويض اليونيفيل رسمياً في نهاية 2026، على أن يكتمل انسحاب عناصرها خلال عام تالٍ.
لكن بيروت ترى أن الظروف التي كانت قائمة عند اتخاذ قرار إنهاء المهمة تغيرت بصورة كبيرة.
وقال سفير لبنان لدى الأمم المتحدة أحمد عرفة إن “السياق الأمني في لبنان.. وكذلك في الشرق الأوسط، تغير بشكل جذري” منذ اتخاذ قرار إنهاء التفويض العام الماضي، محذراً من أن إنهاء المهمة يحتاج إلى “إعادة تقييم دقيقة” لتجنب حدوث فراغ أمني.
إسرائيل: اليونيفيل فشلت في مهمتها
في المقابل، ترفض إسرائيل تمديد مهمة القوة الأممية.
وانتقد سفيرها لدى الأمم المتحدة داني دانون المساعي الرامية إلى الإبقاء على اليونيفيل، خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن هذا الشهر.
وقال دانون إن القوة “فشلت لسنوات في تنفيذ المهمة الموكلة إليها”، كما أخفقت، بحسب قوله، في منع بناء القدرات العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان.
وأضاف أن قرار إنهاء التفويض “اتُخذ بالفعل”، معتبراً أنه “لا يوجد سبب للعودة عنه”.
وتقول إسرائيل إن حزب الله أنشأ مخازن أسلحة وبنية عسكرية داخل مناطق مدنية في الجنوب، رغم وجود اليونيفيل، وهو ما أدى إلى تدمير عشرات القرى خلال الحرب الأخيرة.
وتسيطر القوات الإسرائيلية حالياً على ما تصفه بـ”منطقة أمنية” تمتد لمسافة 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، فيما تنفذ ضربات جوية شبه يومية تقول إنها تستهدف عناصر حزب الله الذين ينتهكون وقف إطلاق النار.
بديل متعثر؟
لم تنجح حتى الآن محاولات تشكيل قوة دولية جديدة تتولى مراقبة وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل وحزب الله وتدعم الحكومة اللبنانية.
ووفق أشخاص مطلعين على المفاوضات، طُرحت عدة صيغ، من بينها بعثة أممية أصغر حجماً، أو انتشار قوات فرنسية، أو مشاركة عسكريين أميركيين، أو تشكيل قوة تابعة للاتحاد الأوروبي.
كما جرى تداول إمكانية مشاركة جنود إيطاليين وبريطانيين.
لكن أي صيغة جديدة ستحتاج إلى تفويض قانوني من مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى منح أفرادها الحصانات اللازمة.
ويعمق الوضع الميداني صعوبة المهمة، إذ تعرض أفراد ومواقع اليونيفيل مراراً لنيران متبادلة بين إسرائيل وحزب الله، ما يجعل إيجاد بديل عن القوة الحالية أكثر تعقيداً.
وتشترط إسرائيل أن يتم الاتفاق على أي مهمة جديدة ضمن المفاوضات المباشرة الجارية مع بيروت بوساطة أميركية، وليس عبر ما وصفه أحد المطلعين على الملف بأنه “إملاء من أعلى”.
حرب خلفت آلاف القتلى ومليون نازح
لا يزال وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله هشاً.
وبحسب مسؤولين لبنانيين، أدى القتال منذ بداية الحرب الأخيرة إلى مقتل أكثر من 4300 شخص في لبنان ونزوح نحو مليون آخرين.
وفي الجانب الإسرائيلي، قال مسؤولون إن هجمات حزب الله خلال الفترة نفسها أوقعت أكثر من 30 قتيلاً بين الجنود والمدنيين.
وكان حزب الله قد بدأ إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه شمال إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن تتجدد الهجمات في مارس/آذار 2026. ورد الجيش الإسرائيلي بحملات جوية وبرية واسعة.
ورغم نجاح الولايات المتحدة في وقف أسوأ مراحل القتال في وقت سابق من هذا الصيف، فإن تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال بطيئاً.
وبحسب شخص مطلع على الملف، أدركت واشنطن أنها تحتاج إلى موارد ودعم إضافيين لمتابعة تنفيذ الاتفاق، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى محاولة الحفاظ على دور لها في لبنان خلال مرحلة ما بعد الحرب.
وقال المصدر إن هذا المسار يمثل محاولة من مجلس الأمن لإعادة تأكيد دوره، بدلاً من “إسناد هذه المناطق المتنازع عليها” إلى الولايات المتحدة وحدها.


