بقلم: يورونيوز
نشرت في
قالت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لها إن القادة الأوروبيين ظهروا منقسمين ومرتبكين في تعاملهم مع الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إذ حاولوا الترحيب بنهاية حكم وصفوه بالاستبدادي، وفي الوقت نفسه التشديد على التزامهم بمبادئ القانون الدولي التي أثارت العملية الأميركية تساؤلات جدية بشأن احترامها.
وأضاف التقرير أن العواصم الأوروبية، التي لم تعترف بشرعية مادورو منذ الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها في يونيو/حزيران 2024، وجدت نفسها أمام معضلة سياسية وقانونية معقدة، في ظل تصريحات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي ذهبت إلى حد إعلان نية واشنطن إدارة فنزويلا والسيطرة على قطاعها النفطي.
إجماع أوروبي على غياب الشرعية
وفق تقرير الغارديان، حاول القادة الأوروبيون التركيز على نقطة توافق أساسية، مفادها أن مادورو فقد شرعيته منذ الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو/حزيران 2024، والتي اعتُبرت على نطاق واسع مزورة، ولهذا، تؤكد أوروبا أنها لم تعترف به رئيسًا شرعيًا لفنزويلا منذ ذلك التاريخ.
غير أن هذا الإجماع لم ينجح في إخفاء التباينات العميقة بشأن كيفية التعامل مع التدخل الأميركي، ولا سيما بعدما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستشرف على إدارة فنزويلا وتتحكم في قطاعها النفطي، وهو ما وضع الأوروبيين أمام واقع سياسي وقانوني بالغ الإرباك.
معضلة المعارضة ورفض ترامب لماتشادو
تقريرصحيفة الغارديان لفت إلى أن أحد أكثر المواقف إحراجًا للأوروبيين تمثل في رفض ترامب الاعتراف بماريا كورينا ماتشادو، الرمز الأبرز للمعارضة الفنزويلية والحائزة على جائزة نوبل، معتبرًا أنها لا تحظى بدعم شعبي داخل البلاد.
هذا الموقف الأميركي اصطدم مباشرة بالنهج الأوروبي، إذ كان قادة الاتحاد قد احتضنوا ماتشادو باعتبارها قائدة معارضة تمثل خيارًا ديمقراطيًا مشروعًا، ما عمّق الفجوة بين الخطاب الأوروبي والسياسة الأميركية.
وينقل التقرير عن خبراء في القانون الدولي تحذيراتهم من أن نزع الشرعية عن مادورو قد يتيح لواشنطن الادعاء بأنه لا يتمتع بالحصانة السيادية أمام المحاكم الأميركية، في سيناريو يعيد إلى الأذهان محاكمة الرئيس البنمي مانويل نورييغا بعد اعتقاله عام 1989.
لكن تبرير واشنطن للعملية باعتبارها “دفاعًا عن النفس” بسبب اتهامات بالاتجار بالمخدرات قوبل بتشكيك واسع. فقد أكدت أونا هاثاواي، أستاذة القانون الدولي في جامعة ييل، أن هذا المنطق يفتقر إلى أي أساس قانوني في ميثاق الأمم المتحدة، محذّرة من أن قبوله يعني عمليًا نسف القيود المفروضة على استخدام القوة.
حرج أوروبي ومحاولات لتجنب الصدام
ورصدت الغارديان كيف حاول بعض القادة الأوروبيين تفادي الخوض في شرعية التدخل الأميركي، فقد دعا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى التركيز على “الأمل الجديد” الذي تمثله نهاية حكم مادورو، معتبرًا أن الوقت غير مناسب لمناقشة قانونية الإجراءات الأميركية.
في المقابل، أبدى حلفاء ترامب الأيديولوجيون في أوروبا، وعلى رأسهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، دعمًا صريحًا للعملية، ووصفتها بأنها “تدخل دفاعي مشروع”.
وبحسب الصحيفة فإن الانتقادات الأوروبية الأخرى جاءت حذرة ومخففة، في ظل قلق واضح من استعداء ترامب، لا سيما في وقت لا يزال فيه الدعم الأميركي لأوكرانيا عنصرًا حاسمًا في الحسابات الأوروبية.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إن الاتحاد يؤكد عدم شرعية مادورو ودعمه لانتقال سلمي، لكنها شددت على أن احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يجب أن يظل ثابتًا “في جميع الظروف”.
أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فركزت على المرحلة المقبلة، مؤكدة تضامن الاتحاد مع الشعب الفنزويلي ودعمه لأي انتقال ديمقراطي يحترم الشرعية الدولية.
بدوره أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس حذرًا شديدًا، معتبرًا أن التقييم القانوني للتدخل الأميركي “معقد ويتطلب دراسة دقيقة”.
وفي فرنسا، رحّب الرئيس إيمانويل ماكرون بنهاية “ديكتاتورية مادورو” دون الإشارة المباشرة إلى العملية الأميركية، داعيًا إلى انتقال سلمي بقيادة مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس أوروتيا. غير أن وزير خارجيته جان-نويل بارو كان الأكثر صراحة، إذ اعتبر أن اعتقال مادورو “ينتهك مبدأ عدم استخدام القوة الذي يقوم عليه القانون الدولي”.
أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فإنه لم يذرف أي دموع على رحيل مادورو، بحسب تقرير الغارديان، بل اكتفى بالإشارة إلى أهمية القانون الدولي، دون أن يناقش كيفية تطبيقه في هذه الحالة.
نظام دولي يتآكل
وتخلص الغارديان إلى أن هذه الأزمة تتجاوز فنزويلا، لتكشف عن تصدّع أعمق في النظام الدولي. فالقادة الذين يدافعون عن القانون الدولي باتوا، بحسب التقرير، يناشدون نظامًا عالميًا آخذًا في التلاشي، حيث تصبح القوة لا القواعد هي الفيصل.
وتشير الصحيفة إلى أن تحركات ترامب ترسخ واقعًا جديدًا تهيمن فيه مصالح عدد محدود من “القوى العظمى”، بينما يُدفع مبدأ التعددية إلى الهامش.
وفي هذا السياق، ينقل التقرير عن نزار الفقيه، الزميل الأول غير المقيم في المجلس الأطلسي، قوله إن التعددية الدولية فشلت في إنتاج مسار تفاوضي فعّال يقود إلى انتقال سلمي ومنظم في فنزويلا، رغم سنوات من الاحتجاجات والتضحيات الشعبية.
كما أشار إلى عجز المحكمة الجنائية الدولية، رغم فتحها تحقيقًا منذ عام 2021، عن إصدار أي لائحة اتهام حتى الآن، رغم التوثيق الواسع لجرائم ضد الإنسانية.
وبينما تلوّح واشنطن بإمكانية تكرار هذا النهج في دول أخرى، تبدو أوروبا، كما ترصد الغارديان، عالقة بين مبادئ تعلن التمسك بها، وواقع دولي جديد يتشكل على حساب تلك المبادئ.












