تدرس عدة دول أوروبية مقترحات جديدة تهدف إلى تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، وذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة. وتتضمن هذه المقترحات إمكانية فرض رسوم طوعية مقابل خدمات ملاحية متقدمة تُقدم للسفن التجارية العابرة، شريطة ألا تكون هذه الرسوم إلزامية وأن تحظى بدعم وموافقة المنظمة البحرية الدولية. وتأتي هذه الخطوة، وفقاً لما أفادت به صحيفة «الغارديان» البريطانية، في وقت تتكثف فيه الجهود الدبلوماسية الدولية لخفض التصعيد في أحد أهم الممرات المائية لنقل النفط في العالم.
الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لضمان الملاحة في مضيق هرمز
تاريخياً، يُعد مضيق هرمز الشريان الأهم للاقتصاد العالمي، حيث يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب. وتبرز أهمية هذا الممر المائي في كونه يعبر من خلاله نحو خُمس استهلاك العالم من النفط الخام يومياً، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. إن أي تهديد أو تعطيل لحركة السفن في هذا المضيق لا ينعكس فقط على دول المنطقة، بل يمتد تأثيره فوراً إلى الأسواق الدولية، مما يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار الطاقة العالمية ويهدد استقرار الاقتصاد الكلي. لذلك، تسعى القوى الكبرى دائماً إلى إيجاد آليات مستدامة تضمن حرية العبور وتجنب العالم أزمات طاقة خانقة.
تفاصيل المقترح الأوروبي ونموذج مضيق ملقا
يتزامن التحرك الأوروبي مع ضغوط أمريكية متزايدة على إيران لإصدار إعلان رسمي يؤكد بقاء المضيق مفتوحاً أمام التجارة العالمية، مع تقديم ضمانات بعدم استهداف السفن مستقبلاً. وفي العاصمة البريطانية لندن، صرح نائب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لامي بأن فرض أي رسوم إلزامية سيكون بمثابة خطوة «كارثية». ومع ذلك، أشار مسؤولون بريطانيون آخرون إلى أن القانون الدولي للبحار يسمح في بعض الممرات الطبيعية بتحصيل رسوم مقابل خدمات محددة، مستلهمين في ذلك آلية العمل الناجحة المطبقة في مضيق ملقا الذي يربط بين المحيطين الهندي والهادئ.
ويقوم المقترح الحالي على تكييف نموذج مضيق ملقا ليتناسب مع الطبيعة المعقدة لمضيق هرمز. ويهدف المقترح إلى أن تكون الرسوم اختيارية تماماً، وتُخصص حصرياً لتحسين خدمات السلامة البحرية، وحماية البيئة، والاستجابة السريعة لحالات الطوارئ، بدلاً من أن تكون مجرد «ضريبة عبور» تُفرض على السفن.
الدور العُماني المحوري والتحذيرات الإقليمية
تلعب سلطنة عُمان دوراً قيادياً في هذه المبادرة، نظراً لسيطرتها الجغرافية على الجزء الأكبر من المياه العميقة الصالحة للملاحة داخل المضيق. وقد كشفت مصادر دبلوماسية أن مسقط أعدت تصوراً قانونياً شاملاً بالتعاون مع خبراء بريطانيين، وأرسلت فريقاً مختصاً إلى طهران لشرح أبعاد المبادرة. وتؤكد عُمان رفضها القاطع للرسوم الإلزامية، لكنها تدعم بقوة إنشاء آلية تعاون طوعية تعزز الأمان وتقلل من مخاطر الحوادث والتلوث.
في سياق متصل، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقچي محادثات في مسقط ركزت على مستقبل المضيق وأمن الملاحة. ورغم هذه الحوارات، برزت تحذيرات إقليمية، حيث حذر المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري من أي ترتيبات قد تمنح إيران سيطرة أوسع تتعارض مع القانون الدولي، مشيراً إلى أن ذلك قد يجعل حركة التجارة العالمية رهينة لأي تصعيد مستقبلي.
انقسامات داخل طهران واستقطاب في المنظمة البحرية الدولية
على الصعيد الداخلي الإيراني، تشهد طهران تبايناً واضحاً في الرؤى حول كيفية إدارة الأزمة. فبينما يرى بعض قادة الحرس الثوري الإيراني أن التحركات العسكرية الأمريكية تبرر تجاوز قواعد القانون البحري، يفضل تيار آخر من المسؤولين التعاون مع المجتمع الدولي لضمان استقرار المنطقة وتجنب العزلة.
وقد انعكس هذا الاستقطاب على الساحة الدولية خلال اجتماع مجلس المنظمة البحرية الدولية في لندن. فقد طالبت دول خليجية وأوروبية بإصدار قرار حازم يدين الهجمات على السفن التجارية، إلا أن روسيا والصين استخدمتا ثقلهما لرفض المشروع. واعتبرت موسكو أن القرار يتجاهل الأسباب الجذرية للأزمة، في حين وصفته بكين بأنه منحاز ويتجاوز الصلاحيات الفنية للمنظمة.
الموقف الأمريكي وتأمين مسارات الطاقة
في خضم هذه التطورات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران قد «انتهى»، لكنه شدد في الوقت ذاته على استمرار المحادثات الدبلوماسية الرامية للوصول إلى اتفاق شامل ودائم، متوعداً طهران برد عسكري واسع النطاق في حال حاولت استهداف المصالح الأمريكية. ومن الناحية الميدانية، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها نجحت منذ أوائل مايو في تأمين عبور أكثر من 800 سفينة تجارية، نقلت نحو 380 مليون برميل من النفط الخام عبر المضيق بأمان.
في المقابل، تصر البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني على أن القوات الأجنبية لا دور لها في المنطقة، مؤكدة التزام طهران بمذكرات التفاهم وفقاً لتفسيراتها السيادية. ومع استمرار الخلاف حول مسارات العبور الشمالية والجنوبية، يرى المراقبون أن مستقبل الملاحة في هذا الشريان الحيوي سيبقى مرهوناً بنتائج المفاوضات المعقدة بين واشنطن وطهران ومسقط، إلى جانب القرارات المستقبلية للمنظمة البحرية الدولية.
The post مقترح أوروبي لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز وسط التوترات appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.


