انتشر في الآونة الأخيرة، عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي الصحف المحلية، خبر إيقاف برامج اللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع في كلية الآداب. إن واقع العلوم الإنسانية في جامعة الملك سعود يمر بتحول جذري، حيث لا يمكن قراءة هذا الخبر بوصفه إجراءً إدارياً عابراً داخل أروقة الجامعة، بل هو -في جوهره- تحول استراتيجي عميق في العلاقة بين الجامعة والمجتمع، كما يرى الدكتور عيد بن حجيج الفايدي. يستدعي هذا القرار وقفة تحليلية؛ إذ يحمل في طياته آثاراً بعيدة المدى تتجاوز حدود المؤسسة الأكاديمية لتطول بنية الهوية الوطنية، والأمن الفكري، والقدرة الحضارية على الاستمرار.
الجذور التاريخية: تأسيس الوعي قبل الوظيفة
بالعودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية، تُعد جامعة الملك سعود، التي تأسست عام 1957م، أول جامعة في المملكة العربية السعودية، وكانت كلية الآداب من أوائل الكليات التي فتحت أبوابها للطلاب لتكون منارة للفكر والثقافة. تاريخياً، لم تكن الجامعة مجرد مؤسسة للتدريب المهني، بل كانت -ولا تزال- مركزاً لإنتاج الوعي وصياغة الرؤية الحضارية. لقد لعبت هذه البرامج دوراً محورياً في تخريج قادة ومفكرين ساهموا في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، مما يجعل المساس بها مساساً بذاكرة مؤسسية عريقة.
تداعيات تقليص العلوم الإنسانية في جامعة الملك سعود
إن جوهر هذا التوجه يتمثل في إعادة تعريف وظيفة الجامعة ضمن إطار ضيق يُختزل في «تأمين الوظيفة»، وهو ما يعكس انتقالاً بنيوياً من نموذج بناء الإنسان إلى نموذج إنتاج المورد البشري. من منظور استراتيجي، هذا التحول يعيد تشكيل العلاقة بين التعليم والاقتصاد؛ بحيث تصبح الجامعة تابعة لتقلبات السوق بدل أن تكون موجِّهة له. محلياً، سيؤدي ذلك إلى نقص في الكوادر القادرة على معالجة الإشكالات المجتمعية العميقة. وإقليمياً ودولياً، يضعف هذا التوجه من القوة الناعمة للمجتمع وقدرته على تصدير ثقافته وفهم الثقافات الأخرى، حيث يفقد التعليم العالي استقلاله المعرفي ويتحول إلى أداة قصيرة المدى.
الأمن الفكري والهوية الوطنية في مهب التغيير
من زاوية الأمن الوطني، يفتح هذا التوجه فجوة بنيوية يصعب تداركها؛ فالمجتمعات لا تُهدَّد عسكرياً أو اقتصادياً فقط، بل تُهدَّد أيضاً فكرياً وثقافياً. وحين يتراجع حضور العلوم الإنسانية، يتراجع معه الوعي النقدي، وتضعف قدرة المجتمع على مقاومة الخطابات المتطرفة أو المضللة. فالتاريخ يوفر الذاكرة الاستراتيجية التي تُرشد القرار، واللغة تصون الهوية وتُشكّل أنماط التفكير، والجغرافيا تحدد موقع الدولة في معادلات القوة، وعلم الاجتماع يفسر ديناميات التحول والاستقرار. غياب هذه الأدوات يُنتج هشاشة في اتخاذ القرار، حيث تصبح السياسات معزولة عن سياقها الثقافي والتاريخي.
اقتصاد المعرفة: تكامل التقنية مع الفكر الإنساني
اقتصادياً، قد يبدو هذا التوجه منطقياً على المدى القصير، لكنه يحمل تناقضاً استراتيجياً داخلياً. فاقتصاد المعرفة الحديث لا يقوم على المهارات التقنية وحدها، بل على الإبداع، والابتكار، والقدرة على التفكير النقدي – وهي جميعاً مهارات تُغذّيها العلوم الإنسانية بصورة أساسية. إن الاقتصار على إعداد تقنيين دون بناء عقل تحليلي شامل، يقود إلى اقتصاد تابع؛ قادر على التنفيذ لا على الابتكار. أما على مستوى الهوية، فإن إلغاء اللغة العربية تحديداً يمثل قطعاً مع الوعاء الثقافي الذي تتشكل فيه الرؤية الجماعية، مما يفتح الأبواب أمام نماذج ثقافية بديلة قد لا تنسجم مع خصوصية المجتمع.
النموذج العالمي: شمولية المعرفة
على النقيض من هذا المسار، تتبنى جامعات عالمية مرموقة نموذجاً تعليمياً يهدف إلى بناء «الإنسان» قبل «المتخصص»، حيث يُلزم طلاب الطب والهندسة بدراسة مجالات إنسانية كالفلسفة، والأدب، والتاريخ لتنمية التفكير الأخلاقي وتوسيع الأفق المعرفي. لغوياً، كلمة (University) المشتقة من اللاتينية تعني «الكل» و«الشمول». تجريد الجامعة من شموليتها وتحويلها إلى كيان جزئي أقرب إلى «معهد تدريب» يضعف الأسس التي تقوم عليها الاستدامة الحضارية. في المحصلة، الجامعة ليست مصنع وظائف، بل مصنع وعي، وهو الأصل الذي تُبنى عليه كل نهضة حقيقية.
The post مستقبل العلوم الإنسانية في جامعة الملك سعود وتأثيره appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

