في المجتمعات الحية التي تتخذ من الثقافة ركيزة لهويتها، لا يُقاس الوفاء بحجم التصفيق في لحظات التوهج والنجاح فحسب، بل بمدى تماسك الجسد الثقافي واحتضانه لأبنائه في لحظات الانكسار والشدة. إن المبدع الحقيقي ليس مجرد صانع للنصوص، بل هو ذاكرة حية ووجدان ينبض بآمال المجتمع وآلامه، مما يجعل الوقوف بجانبه في الملمات واجباً أخلاقياً ومؤسسياً قبل أن يكون ترفاً اجتماعياً.

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار اليوم بقلوب يعتصرها الألم والأمل معاً نحو الشاعر الأديب مانع بن جلاب آل غانم، الذي حفر اسمه في ذاكرة الشعر الشعبي بلقب «بدر الحزين». هذا الصوت الشعري العذب يمر اليوم بمنعطف إنساني قاسٍ، إثر تعرضه لحادث سير مروع أدى إلى بتر قدمه. لم تكن هذه الحادثة مجرد إصابة جسدية عابرة، بل هي اختبار حقيقي لصلابة الروح المبدعة، وتحدٍ يمس تفاصيل حياته اليومية وقدرته على التواصل مع محيطه الذي طالما أثرى ذائقته بأعذب القصائد.

الشاعر مانع بن جلّاب «بدر الحزين»

إن الشعر في المملكة العربية السعودية والخليج العربي ليس مجرد فن أدبي، بل هو ديوان العرب وسجل مآثرهم، ولطالما كان الشعراء هم لسان حال المجتمع وحراس قيمه. ومن هنا، فإن ما أصاب «بدر الحزين» يفتح الباب واسعاً لمناقشة قضية جوهرية تتعلق بآليات الدعم والرعاية التي توفرها المؤسسات الثقافية والجمعيات الأدبية لمنتسبيها. فالدور المنوط بهذه الجهات يتجاوز تنظيم الأمسيات وطباعة الدواوين، ليمتد إلى توفير شبكة أمان اجتماعي ونفسي للمبدعين الذين أسهموا في تشكيل المشهد الثقافي، لضمان حياة كريمة لهم تليق بما قدموه من عطاء.

ورغم قسوة التجربة، يظل الشاعر مانع بن جلاب مثالاً للصبر والاحتساب، متسلحاً بإيمان عميق ظهر جلياً في أبياته التي تداولها محبوه، والتي تحولت إلى أيقونة للصمود في وجه النوائب، حيث يقول:
تبقى الحياة بمرها حلوة ما دام الله كريم
قم نفض أغبار الحزن عن خاطرك لا يخنقه
يخلق مع الضيقة فرج رب على خلقه رحيم
ويجيب من عقب المسا والليل شمس مشرقه

هذه الكلمات ليست مجرد نظم للقوافي، بل هي رسالة حياة تؤكد أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الروح لا الجسد. ومع ذلك، فإن صلابة الشاعر لا تعفي الوسط الثقافي والإعلامي من مسؤولياته. إن تسليط الضوء على حالة بدر الحزين اليوم هو دعوة صريحة لتحويل مشاعر التعاطف إلى مبادرات ملموسة، سواء من خلال تكريمه معنوياً أو دعمه مادياً وصحياً لتجاوز هذه المحنة.

ختاماً، إن الوفاء للشاعر بدر الحزين هو وفاء للشعر ذاته، ورسالة تأكيد على أن المبدع في وطننا لا يُترك وحيداً في مواجهة الأقدار. إننا ننتظر من الجهات المعنية تحركاً يوازي حجم الألم، ويعيد البسمة لشاعر طالما رسمها على شفاهنا، لنثبت للعالم أن ثقافتنا إنسانية المنبع، وأننا أمة تحفظ الود وتصون كرامة مبدعيها.

The post مأساة الشاعر بدر الحزين: دعوات للوفاء الثقافي بعد بتر قدمه appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version