في السنوات الأخيرة، بات الإحساس العام لدى المسافرين واحدًا: الطيران أصبح أغلى، وأقل راحة، وأسوء خدمة. والمقاعد أضيق، الرسوم لا تنتهي، وتجربةالسفر في الدرجة الاقتصادية لم تعد تشبه ما اعتاده الركاب قبل أعوام. صحيح أن ارتفاع الوقود، وتكاليف العمالة، واضطراب سلاسل الإمداد لعبت دورًا، لكن الحقيقة الأهم تكمن في مكان آخر تمامًا، يتمثل في سلوك السوق نفسه.
على الرغم من أن الغضب موجود، التذمر مرتفع، لكن القرارات الشرائية لم تتغير. والنتيجة أن شركات الطيران تعلمت الدرس، وذهبت أبعد مما كان متوقعًا.
تكمن الحقيقة من أن شركات الطيران لا تقيس رضا الركاب بعدد الشكاوى أو العناوين الغاضبة، بل بمؤشرين لا يقبلان التأويل: الطلب الفعلي والإيرادات.
ووفق توقعات الاتحاد الدولي للنقل الجوي، وصل متوسط عامل امتلاء الرحلات عالميًا في 2025 إلى نحو 84 في المئة، وهو أعلى مستوى تاريخي. وعندما تمتلئ الطائرات بهذا الشكل، تصل الرسالة بوضوح: الركاب مستاؤون، لكنهم ما زالوا يدفعون ويسافرون.
ومن منظور اقتصادي بحت، لا يوجد دافع حقيقي لإعادة الوجبات المجانية أو توسيع المساحات في الدرجة الاقتصادية، طالما أن المقاعد تمتلئ، والطوابير لا تنقطع.
ولم يكن التحول الأخطر هو رفع الأسعار بشكل مباشر، بل تفكيك سعر التذكرة. سعر أساسي يبدو منخفضًا، تحيط به سلسلة طويلة من الرسوم: اختيار المقعد، الأمتعة، الطعام، الأولوية، وحتى بعض خدمات الترفيه.
وبحسب تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي، بلغت إيرادات الخدمات الإضافية عالميًا نحو 144 مليار دولار في 2025، ما يجعلها أحد أعمدة ربح شركات الطيران.
في الولايات المتحدة، وصفت لجنة التحقيقات الدائمة في مجلس الشيوخ هذه الممارسات برسوم غير مبررة، مشيرة إلى أن خمس شركات طيران كبرى جمعت أكثر من 12 مليار دولار من رسوم المقاعد خلال خمس سنوات فقط، بينما تجاوزت هذه الرسوم وحدها 3 مليارات دولار في عام واحد.
الأرقام تكشف التحول بوضوح:
- الرسوم الإضافية تمثل اليوم نحو 15 في المئة من عائدات شركات الطيران عالميًا، بعدما كانت لا تتجاوز 5 في المئة في 2010.
- رسوم الأمتعة هي المثال الأوضح على هذا التحول. فوفق تقديرات متخصصة، بلغت إيرادات رسوم الحقائب عالميًا أكثر من 33 مليار دولار في عام واحد، مع نمو سنوي لافت.
الحقيبة، والمقعد، وحتى بعض الخدمات الأساسية، لم تعد جزءًا طبيعيًا من الرحلة، بل مصادر ربح مستقلة. وكلما ازدهرت هذه الإيرادات، تقلصت الخدمات المشمولة في السعر الأساسي، خصوصًا في الدرجة الاقتصادية.
الرسوم ليست وحدها ساحة التجربة. هناك ما يمكن تسميته بزيادة الكثافة داخل الطائرة: مقاعد أكثر، ومسافة أقل، مقابل التوسع في فئات السفر الأعلى ربحًا.
وأحد الأمثلة البارزة كان قرار شركة كندية تقليص المسافة بين مقاعد الدرجة الاقتصادية إلى مستوى قياسي لإضافة صف إضافي. القرار لم يُلغَ إلا بعد موجة اعتراض واسعة ومقاطع مصورة انتشرت وأحرجت الشركة.
ويمكن القول إن القاعدة هنا بسيطة:
إذا بقي الغضب في حدود التذمر، تُثبت السياسة. أما إذا هدد السمعة أو التشغيل، فحينها يجري التراجع.
وتشير الأرقام الحديثة إلى أن الصناعة تجاوزت مرحلة التعافي. فمن المتوقع أن يصل صافي أرباح شركات الطيران العالمية إلى أكثر من 40 مليار دولار في 2026، بهامش ربح يقترب من 4 في المئة.
وتعني هذه الأرقام أن تراجع جودة التجربة لا يمكن تفسيره فقط بخسائر الماضي، بل بترسيخ نموذج ربحي جديد أثبت فعاليته خلال الأزمة، واستمر بعدها لأن السوق تقبله.
ورغم السخط الواسع، بقي السلوك الاستهلاكي شبه ثابت، لعدة أسباب:
- الطلب غير المرن: كثير من الرحلات مرتبطة بالعمل أو الدراسة أو الروابط العائلية، مع بدائل محدودة أو معدومة.
- تراجع الشفافية: محاولات فرض الإفصاح الكامل عن الرسوم واجهت عراقيل قانونية وتنظيمية.
- سباق البريميوم: الاستثمار يتركز على الفئات الأعلى دخلًا، بينما تُدار الدرجة الاقتصادية بمنطق الكثافة وتقليص الخدمة.
بعض الشركات الكبرى أعلنت صراحة أن نمو أرباحها القادم يعتمد على المسافرين الأعلى إنفاقًا، في حين تتراجع حصة الإيرادات من الدرجة الاقتصادية.
ولذا يمكن الخلوص إلى أن الغضب الذي لا يغيّر السلوك لا يغيّر السوق
شركات الطيران لم تنجح لأنها أسكتت الركاب، بل لأنها رأت أن الغضب لا يُترجم إلى قرارات. فالمقاعد تضيق ثم تمتلئ، والرسوم ترتفع ثم تُدفع، والخدمات تتراجع ثم يستمر الطلب. والتحسن لا يبدأ من الشكوى، بل من الضغط القابل للقياس: كتغيير شركة الطيران، وتجنب خطوط بعينها، أو دعم قواعد تحمي المستهلك وتفرض شفافية حقيقية.
وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى تجربة الطيران أسوأ، لكنها ممتلئة.

