تشهد الساحة السياسية في بغداد ترقباً حذراً وسط استمرار أزمة اختيار رئيس الوزراء العراقي، حيث نفى مصدر مقرب من تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم في العراق، وجود أي ضغوط أمريكية وراء تأجيل الاجتماع الحاسم الذي كان مقرراً عقده مساء يوم السبت لتحديد شخصية رئيس الحكومة الجديد.

وأكد المصدر لصحيفة «عكاظ» أن السبب الحقيقي وراء إرجاء الاجتماع إلى يوم الإثنين يعود إلى وصول قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى العاصمة بغداد في زيارة غير معلنة، حيث التقى فور وصوله بقادة «الإطار التنسيقي» لبحث تطورات المشهد المعقد، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول مجريات اللقاء.

السياق التاريخي والتحولات في مسار اختيار رئيس الوزراء العراقي

منذ تغيير النظام في العراق عام 2003، اعتمدت العملية السياسية على ما يُعرف بـ “الديمقراطية التوافقية”، حيث يتم توزيع الرئاسات الثلاث بناءً على المكونات الأساسية، وتُتخذ القرارات المصيرية، وفي مقدمتها اختيار رئيس الوزراء العراقي، وفق قاعدة الإجماع بين الكتل السياسية الكبرى. إلا أن المصدر أشار إلى تحول جذري، حيث لم يعد التحالف الحاكم قادراً على تمرير قراراته بهذه القاعدة التي حكمت سلوكه لعقدين من الزمن، ويتجه تدريجياً نحو تبني قاعدة “الأغلبية”. ورغم طرح هذا الخيار، فإنه لم ينجح حتى اللحظة في إنتاج اتفاق نهائي وواضح على اسم رئيس الحكومة المقبل.

معادلة التوازنات الجديدة والتدخلات الدولية

في موازاة هذا الحراك الداخلي، تتحدث مصادر مطلعة عن حضور متزايد للدور الأمريكي في هذا الملف الحساس. وتبرز ضغوط واشنطن في محاولاتها لمنع وصول قوى أو شخصيات بعينها إلى سدة رئاسة الحكومة. وفي هذا السياق، تسعى قوى فاعلة داخل الإطار التنسيقي إلى إعادة تسويق خيار تكليف محمد شياع السوداني لولاية ثانية، في محاولة استراتيجية لإقناع واشنطن بقبوله مجدداً ضمن معادلة التوازنات الجديدة.

ويراهن فريق رئيس حكومة تصريف الأعمال على سيناريو الولاية الثانية، مستنداً إلى مؤشرات يصفها المقربون منه بأنها تعكس تقدماً واضحاً في مسار التفاوض داخل الإطار التنسيقي. وفي هذا الصدد، صرح القيادي في تحالف الإعمار والتنمية، وليد خالد، بأن المعطيات المتوفرة تشير إلى نجاح الوفد التفاوضي للتحالف سياسياً وإعلامياً في كسب ثقة قوى فاعلة، مما قد يرجح كفة مرشحهم سواء عبر الإجماع أو الأغلبية.

خريطة التحالفات: حظوظ السوداني مقابل معسكر المالكي

بلغة الأرقام والتحالفات، يحظى محمد شياع السوداني بدعم 8 قوى رئيسية داخل الإطار التنسيقي، من أبرزها تيار الحكمة، وحركة صادقون، وائتلاف النصر، ومنظمة بدر، إلى جانب قوى أخرى، مما يمنحه كتلة تصويتية تقدر بنحو 134 نائباً. في المقابل، يُنسب إلى معسكر نوري المالكي، أو أي مرشح بديل قريب منه مثل باسم البدري في حال التنازل، دعم 4 قوى تمثل حوالي 34 نائباً فقط.

ويعتبر فريق السوداني أن هذه الأرقام تمنحه الأغلبية السياسية والنيابية المريحة، مع إمكانية تحول التوازنات لصالحه بشكل أسرع إذا انتقلت بعض الأطراف من المعسكر المقابل. ولتعزيز هذا الموقف، تعهد زعيم منظمة بدر، هادي العامري، بدعم أي مرشح يحصل على 7 توقيعات داخل الإطار ليكون هو الصوت الثامن، وهو ما يظهر عدم تحقيق أي معسكر للأغلبية المطلقة حتى اللحظة.

تداعيات الأزمة وتأثيرها على المشهدين الإقليمي والمحلي

لا تقتصر أهمية تشكيل الحكومة على الداخل العراقي، بل تمتد لتشمل استقرار المنطقة بأسرها، حيث يُعد العراق نقطة ارتكاز محورية في توازنات الشرق الأوسط. ويبدو أن وراء دعم السوداني يتشكل محور سياسي واسع يقوده عمار الحكيم، يتجاوز فكرة تشكيل الحكومة إلى محاولة إعادة تنظيم إدارة الدولة نفسها. وقد نجح هذا المحور مع حلفائه الجدد في تمرير استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية قبل أكثر من أسبوع، في خطوة بدت وكأنها التمهيد العملي لما هو أبعد من ذلك.

وتشير الحسابات المتداولة إلى أن التصويت الرئاسي لم يكن حدثاً معزولاً، بل مثل النصف الأول من صفقة سياسية مزدوجة: إيصال مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني إلى رئاسة الجمهورية مقابل تمهيد الطريق لعودة السوداني إلى رئاسة الوزراء. أما النصف الثاني من هذه المعادلة، فيجري العمل على تثبيته الآن عبر تحالف آخذ في التشكل رغم اعتراضات نوري المالكي ومسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني. ولا تختزل هذه الكتلة الناشئة نفسها في دعم ولاية ثانية للسوداني فحسب، بل تتعدى إلى تقاسم النفوذ المحلي في كركوك وصلاح الدين والتمركز داخل البرلمان.

من زاوية أخرى، يحاول فريق نوري المالكي إعادة صياغة الأزمة. فالرجل الذي لا يزال يُقدم بوصفه المرشح الرسمي داخل الإطار، لم يتخلَ عن موقعه بقدر ما حاول طرح بدائل من دائرته الضيقة، وفي مقدمتها اسم باسم البدري، القيادي في حزب الدعوة ورئيس هيئة المساءلة والعدالة، كخيار تسوية يبقي النفوذ ضمن الإطار نفسه. ورغم تكرار طرح اسم البدري في التداول السياسي، فإن أوساط المالكي لا تتبناه بشكل صريح بل تتعامل معه كخيار أكثر منه مرشحاً رسمياً، خصوصاً مع تسريبات تشير إلى أن قيس الخزعلي كان وراء تقديمه في اجتماع بعيد عن الإعلام قبل أكثر من أسبوع.

The post كواليس الإطار التنسيقي وحسم اختيار رئيس الوزراء العراقي appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version