وسط تحديات أمنية عالمية متصاعدة وضغوط أمريكية متزايدة لدفع الحلفاء الأوروبيين نحو تحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع الجماعي، تنطلق أعمال قمة الناتو في أنقرة اليوم الثلاثاء. تشهد هذه القمة الاستثنائية مشاركة قادة الدول الأعضاء الـ 32 في حلف شمال الأطلسي، في اجتماعات مكثفة تستمر لمدة يومين، بهدف صياغة استراتيجية موحدة للتعامل مع التهديدات الراهنة وإعادة رسم خريطة التحالفات العسكرية.
أبعاد ودلالات انعقاد قمة الناتو في أنقرة
يأتي اختيار العاصمة التركية لاستضافة قمة الناتو في أنقرة في توقيت بالغ الحساسية، حيث يمر الحلف بواحدة من أهم مراحله التاريخية منذ تأسيسه عام 1949 إبان الحرب الباردة. تاريخياً، بُني حلف شمال الأطلسي على مبدأ الدفاع المشترك، إلا أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة، وتحديداً منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أعادت تشكيل أولويات الحلف بشكل جذري. تكتسب هذه القمة أهمية كبرى على الصعيدين الإقليمي والدولي، إذ تمثل نقطة تحول في كيفية إدارة الأزمات الممتدة من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط، وتؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه تركيا كجسر استراتيجي يربط بين القارتين الأوروبية والآسيوية، مما يعزز من قدرة الحلف على الاستجابة السريعة للمتغيرات الجيوسياسية.
تعزيز الإنفاق الدفاعي ورسائل طمأنة للرئيس الأمريكي
تتصدر مسألة زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز القدرات الدفاعية جدول أعمال القمة. وتسعى الدول الأوروبية جاهدة إلى ترجمة تعهداتها السابقة برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 إلى خطوات عملية ملموسة. وفي هذا السياق، تحمل القمة بُعداً سياسياً بالغ الأهمية يتمثل في توجيه رسائل طمأنة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي طالما انتقد ما يعتبره خللاً في توازن تقاسم الأعباء المالية داخل الحلف. وتهدف هذه التحركات الأوروبية إلى تهدئة مخاوف واشنطن وتأكيد التزام القارة العجوز بزيادة مساهماتها الدفاعية بشكل فعال.
وقد صرح الأمين العام للحلف، مارك روته، بأن الدول الأوروبية وكندا قد أحرزت تقدماً ملموساً في هذا المسار. وأوضح أن حجم الاستثمارات الإضافية في قطاع الدفاع خلال عامي 2025 و2026 سيصل إلى نحو 258 مليار دولار، مما سيسهم بشكل مباشر في تعزيز جاهزية الحلف لمواجهة التحديات الأمنية، وفي مقدمتها التهديدات الروسية. وتزامناً مع ذلك، يشهد اليوم الأول افتتاح معرض ومنتدى للصناعات الدفاعية، حيث سيتم الإعلان عن صفقات تسليح جديدة بمليارات الدولارات. ومن أبرز هذه الخطوات، إعلان كندا عن اختيار شركة ألمانية لبناء أسطول جديد من الغواصات ضمن برنامج دفاعي ضخم، مما يعكس توجهاً استراتيجياً لتعزيز التعاون الدفاعي بين ضفتي الأطلسي.
تداعيات أزمات الشرق الأوسط والحرب الأوكرانية
لا تقتصر نقاشات القادة على الساحة الأوروبية فحسب، بل ترخي التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط بظلالها الكثيفة على أروقة القمة. في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالملف الإيراني، يبحث الحلفاء الأوروبيون آليات جديدة لتعزيز التنسيق الأمني وحماية حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي. وتستمر المشاورات المكثفة بين الدول الأعضاء لتحديد طبيعة أي دور بحري محتمل يمكن أن يلعبه الحلف لضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية ومنع تصعيد النزاعات في تلك المنطقة الحيوية.
على الجانب الآخر، يحظى الملف الأوكراني باهتمام استثنائي مع حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جانباً من اجتماعات القمة. يشارك زيلينسكي في عشاء القادة ويجري سلسلة من اللقاءات الثنائية مع المسؤولين الغربيين، سعياً لتأمين حزمة مساعدات عسكرية جديدة تصل قيمتها إلى نحو 140 مليار يورو. وتأتي هذه المطالب بالتزامن مع تصاعد الهجمات الروسية على المدن الأوكرانية، حيث تركز كييف على ضرورة تزويدها بأنظمة دفاع جوي متطورة. ومن المرتقب أن يعقد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اجتماعاً ثنائياً مع زيلينسكي على هامش القمة، وهو لقاء يُنتظر أن يحدد مسار الدعم الأمريكي المستقبلي ويناقش الجهود الدبلوماسية الرامية لدفع موسكو وكييف نحو استئناف المفاوضات. في النهاية، تأمل الدول الأوروبية أن تخرج القمة برسالة وحدة وتماسك داخل الحلف، رغم التباينات بشأن أولويات السياسة الأمنية.
The post قمة الناتو في أنقرة: تعزيز التسلح واحتواء ضغوط ترمب appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.


