شهدت الساحة السياسية الإقليمية حدثاً بارزاً بانعقاد قمة العلمين الرباعية التشاورية في مدينة العلمين الجديدة بمصر، والتي جمعت قادة مصر والسودان والصومال وإريتريا. وجاءت هذه القمة بالتزامن مع أعمال القمة التنسيقية الثامنة لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، بهدف تنسيق المواقف وتوحيد الرؤى تجاه التحديات المشتركة التي تعصف بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وقد توجت القمة بصدور “إعلان العلمين” الذي وضع نقاطاً حاسمة للتعامل مع خمسة ملفات استراتيجية ساخنة تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.
الأبعاد التاريخية والجيوسياسية لانعقاد قمة العلمين
تأتي قمة العلمين في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد تشهده منطقة شرق أفريقيا وحوض النيل. تاريخياً، عانت منطقة القرن الأفريقي من تداخل الصراعات والنزاعات الحدودية والسياسية، إلا أن التطورات الأخيرة فرضت ضرورة صياغة تحالفات جديدة لحفظ الأمن القومي للدول المشاطئة للبحر الأحمر ومستجمعات المياه. وتبرز في الواجهة الأزمة السودانية المستمرة التي تهدد بتفكك مؤسسات الدولة، إلى جانب التحركات الإثيوبية الأخيرة لتوقيع مذكرة تفاهم مع إقليم “أرض الصومال” الانفصالي للحصول على منفذ بحري، وهو ما اعتبرته مقديشو اعتداءً صارخاً على سيادتها. بالإضافة إلى ذلك، يلقي ملف سد النهضة بظلاله على العلاقات المصرية الإثيوبية بعد سنوات من المفاوضات المتعثرة، مما جعل التنسيق الرباعي ضرورة ملحة لمواجهة السياسات الأحادية في المنطقة.
الملفات الخمسة الساخنة في إعلان العلمين المشترك
ركز القادة الأربعة؛ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، على صياغة مواقف حازمة تجاه القضايا التالية:
- الملف السوداني: شدد الإعلان على الدعم المطلق لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، مع الرفض التام لإنشاء أي كيانات موازية للمؤسسات الوطنية الرسمية، ودعوة الأطراف لاستئناف العملية السياسية بملكية وقيادة سودانية خالصة دون تدخلات خارجية.
- الملف الصومالي: أكدت القمة على سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ورفض أي محاولات لاقتطاع أجزاء من أراضيها أو الاعتراف بـ “أرض الصومال”. كما دعت القمة لتوفير تمويل مستدام لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار “AUSSOM” لتمكين القوات الصومالية من مكافحة الإرهاب وبسط سيطرتها.
- أمن البحر الأحمر: توافق القادة على أن حوكمة البحر الأحمر وتأمين حركة الملاحة فيه هي مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، مستبعدين أي تدخلات دولية قد تزيد من عسكرة هذا الممر المائي الحيوي للاقتصاد العالمي.
- ملف مياه النيل: حظيت قضية المياه باهتمام خاص، حيث أكد القادة على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي للأنهار العابرة للحدود، والتمسك بمبادئ الإخطار المسبق والتشاور والتوافق، ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر بالحقوق المائية التاريخية لدولتي المصب (مصر والسودان).
التأثيرات المتوقعة لـ قمة العلمين على المستويين الإقليمي والدولي
من المتوقع أن تسهم مخرجات قمة العلمين في إعادة رسم توازنات القوة في منطقة شرق أفريقيا. محلياً وإقليمياً، يمثل هذا التكتل الرباعي جبهة دبلوماسية وسياسية قوية في مواجهة النفوذ الإثيوبي المتصاعد والسياسات الأحادية لأديس أبابا، سواء في ملف المياه أو في محاولات الوصول إلى البحر الأحمر عبر اتفاقيات غير قانونية. أما دولياً، فإن تأمين الملاحة في البحر الأحمر يمس مباشرة حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد عبر قناة السويس، مما يجعل نجاح هذا التنسيق الرباعي ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين. وفي ختام أعمالهم، اتفق القادة على تأسيس آلية تنسيقية دورية لمتابعة تنفيذ هذه المقررات، لضمان استمرارية العمل المشترك وتحقيق الاستقرار المستدام.
The post قمة العلمين: 5 ملفات ساخنة ترسم مستقبل القرن الأفريقي appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

