شهدت الأوساط الأدبية مؤخراً سجالاً نقدياً واسعاً على منصة ‘إكس’ (تويتر سابقاً)، حيث عاد شعر الهايكو ليتصدر واجهة النقاش الثقافي العربي. انطلق هذا الجدل بعد أن انتقد الشاعر والباحث حسن الصلهبي نصاً شعرياً موجهاً للأطفال للكاتبة ندى العمراني، معتبراً أنه يفتقر إلى الخصائص الفنية الأساسية التي تميز هذا الفن الياباني العريق. وتطور النقاش سريعاً ليتحول إلى معركة فكرية عميقة تبحث في حدود التجديد، ومدى مرونة القواعد الكلاسيكية عند كتابة هذا النوع من الشعر باللغة العربية، خاصة عندما يستهدف عقول الصغار.
جذور شعر الهايكو: من اليابان التقليدية إلى الفضاء الرقمي العربي
يعود تاريخ شعر الهايكو إلى اليابان في القرن السابع عشر، حيث تأسس كشكل شعري مكثف يتكون تقليدياً من 17 مقطعاً صوتياً موزعة على ثلاثة أسطر. ارتبط هذا الفن بأسماء رواد كبار مثل ماتسو باشو، ويسون، وإيسا، الذين ركزوا على التقاط اللحظة الآنية وتصوير الطبيعة وبساطة الحياة اليومية بلمحة تأملية عميقة. ومع انتقال هذا الفن إلى اللغات العالمية في القرن العشرين، متأثراً بحركات مثل المدرسة التصويرية وإزرا باوند، تحرر الهايكو من قيوده اللغوية اليابانية الصارمة ليصبح فصيلة شعرية عالمية تعبر عن ثقافات متعددة بأساليب مبتكرة، وهو ما نراه اليوم ينعكس في الساحة الثقافية العربية الرقمية.
تفاصيل السجال: ‘قميص يتأرجح’ يشعل فتيل الخلاف النقدي
بدأت الشرارة عندما توقف حسن الصلهبي عند مشهد بسيط صاغته ندى العمراني في نصها: ‘قميص يتأرجح على حبل غسيل’. وتساءل الصلهبي عن غياب ‘اللحظة المكثفة’ والنهاية المدهشة التي يتطلبها الهايكو، معتبراً أن المشهد عادي ولا يحمل ابتكاراً كافياً. في المقابل، انبرى الشاعر عبد الله العنزي للدفاع عن النص بسخرية محببة، مؤكداً أن بساطة المشهد تتناغم تماماً مع كونه موجهاً للأطفال، وعلق قائلاً: ‘القميص بخير وما زال يتأرجح غير آبه بالنقاد’.
من جهته، دخل الدكتور أحمد القيسي على خط النقاش مستدعياً النماذج اليابانية الكلاسيكية لباشو وإيسا، ليثبت أن بعض أشهر النصوص العالمية لا تلتزم حرفياً بالمعايير الصارمة التي يطالب بها الصلهبي، مثل شرط ‘الدهشة المباشرة’ أو ‘القطع’. وأوضح القيسي أن الهايكو تطور عالمياً ليصبح قائماً على ‘كسر أفق التوقع’ والمفارقة الجمالية التي قد تلمس قلب الطفل المتلقي دون الحاجة لتعقيدات نقدية يدركها البالغون فقط. كما أشار الصلهبي في رده إلى أنه يتابع هذا الفن منذ ما قبل عام 2000، وله كتاب شهير بعنوان ‘صوت الماء’ صدر عام 2016، مؤكداً أن موقفه نقدي بحت وليس شخصياً.
أبعاد القضية وتأثيرها على مستقبل الكتابة للأطفال
لم يكن هذا النقاش مجرد خلاف عابر على منصة تواصل اجتماعي، بل يمثل قضية جوهرية تؤثر على المشهد الثقافي المحلي والإقليمي. تكمن أهمية هذا الحدث في تسليط الضوء على كيفية صياغة الآداب العالمية وتقديمها للطفل العربي. وقد حظي النص بدعم إضافي من الشاعر حسن القرني الذي وصفه بأنه ‘لذيذ وجميل’ ويمثل ‘هايكو نوعياً’، مشيراً إلى أن كلمة ‘يتأرجح’ تفتح آفاقاً واسعة للتخييل والأسئلة الإنسانية حول حال الطفل وعلاقته باللعب والحياة.
يؤكد هذا السجال على ضرورة تشجيع ودعم المشاريع الأدبية الموجهة للأطفال، وتأسيس حسهم الفني عبر نصوص قصيرة ومكثفة تحترم عقولهم وتنمي خيالهم، بعيداً عن الجمود المنهجي الذي قد يقتل عفوية الإبداع والتحول الطبيعي للفنون عبر الثقافات المختلفة.
The post شعر الهايكو يثير الجدل النقدي مجدداً: الأصالة والتجديد appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

