تقترب المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران من إكمال شهرها السادس، متجاوزة النمط التقليدي للضربات العسكرية المتبادلة لتتحول إلى صراع استنزاف طويل الأمد. وفي هذا السياق، تشهر الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلاحها الأقوى المتمثل في فرض العزلة الاقتصادية على إيران، وهي الاستراتيجية التي وصفها وزير الخزانة سكوت بيسنت بأنها محاولة لتطبيق “أعظم عزلة اقتصادية منسقة في التاريخ”، بهدف تجفيف منابع التمويل الإيرانية بالكامل وشل قدرة طهران على المناورة السياسية والعسكرية في المنطقة.

جذور الصراع: من تقليم الأظافر إلى تجفيف المحيط

تاريخياً، لم تكن العقوبات الاقتصادية وليدة اللحظة في مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية؛ إذ تمتد هذه السياسة لعقود طويلة منذ الثورة الإسلامية عام 1979 وأزمة الرهائن الشهيرة في طهران. ومع ذلك، فإن الحملة الحالية التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب تمثل نقلة نوعية غير مسبوقة في الفكر الاستراتيجي الأمريكي. فبدلاً من السياسات السابقة التي كانت تركز على “تقليم أظافر” النظام الإيراني عبر استهداف قطاعات محددة، تتبنى واشنطن اليوم استراتيجية “تجفيف المحيط”. ويعني هذا التوجه الجديد توسيع دائرة العقاب لتطال أي طرف دولي يتعامل مع طهران، سواء عبر شراء نفطها، أو تسهيل معاملاتها المالية، أو فتح منافذ تجارية لها، مما يضع الاقتصاد الإيراني المثقل بالأزمات أمام تحدي بقاء حقيقي.

أبعاد المواجهة: كيف تؤثر العزلة الاقتصادية على إيران إقليمياً ودولياً؟

لا تتوقف تداعيات هذه الحرب الاقتصادية عند الحدود الإيرانية، بل تمتد لتحدث هزات ارتدادية على المستويين الإقليمي والدولي. على الصعيد المحلي والإقليمي، بدأت آثار الحصار تتوغل بعمق في المعيشة اليومية للمواطن الإيراني، مسببة أزمات حادة في أسعار الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق. وقد تجلى هذا القلق الداخلي في تحذير صريح أطلقه رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، حين أشار إلى أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي للصمود إذا كان الداخل يعاني من الشح والجوع، مما يعكس إدراكاً متزايداً بكلفة الحرب الاقتصادية.

أما على الصعيد الدولي، فإن محاولة فرض العزلة الاقتصادية على إيران تضع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا في مواجهة مباشرة مع الإرادة الأمريكية. فالصين، التي تعد المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، سارعت إلى رفض العقوبات الأحادية وأعلنت استعدادها لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها التجارية. هذا التشابك الدولي يحول العقوبات الثانوية إلى أداة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، خاصة إذا قررت طهران استخدام أوراق الضغط المتاحة لها في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، مما يرفع كلفة الشحن والتأمين البحري عالمياً.

رهان الوقت وخيارات طهران في مواجهة الضغوط

تبدو طهران في الوقت الراهن مراهنة على عامل الوقت لكسر حدة الحصار، حيث تصف التهديدات الأمريكية بأنها “خداع” وتؤكد أن شركاءها التجاريين لن يمتثلوا للضغوط. ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، قد تسعى إيران إلى إبقاء الأزمة مفتوحة لزيادة الكلفة السياسية على إدارة ترامب. إلا أن هذا الرهان ينطوي على مخاطرة كبرى؛ فبعد الانتخابات قد تتغير الحسابات الأمريكية وتصبح الإجراءات أكثر قسوة، مما يضيق هامش المناورة الإيراني ويجبر طهران في النهاية على الاختيار بين استنزاف اقتصادي طويل الأمد أو العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية جديدة ومجحفة.

The post العزلة الاقتصادية على إيران: استراتيجية واشنطن وخيارات طهران appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version