يعد الراحل جاسم صفر الهيدوس واحداً من أبرز القامات التي ساهمت في تشكيل المشهد الثقافي والإعلامي في دولة قطر، حيث لم تكن مسيرته مجرد عبور عابر في مجالات الإذاعة والصحافة، بل كانت رحلة تأسيسية تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجمعية. لقد جمع الهيدوس بين موهبة الكلمة الصادقة والحس الوطني المرهف، مما جعله صوتاً معبراً عن الهوية القطرية في مراحل تطورها المختلفة، تاركاً خلفه إرثاً فنياً وأدبياً تتوارثه الأجيال.
السياق التاريخي: جيل الرواد والزمن الجميل
برز جاسم صفر في حقبة زمنية مفصلية من تاريخ الإعلام القطري والخليجي، وهي الفترة التي شهدت انطلاق المؤسسات الإعلامية الوطنية وبدء تشكل الحركة الفنية الحديثة في سبعينيات وثمانيات القرن الماضي. كان الهيدوس جزءاً من “الجيل الذهبي” الذي حمل على عاتقه مسؤولية نقل التراث القطري من الشفاهية إلى التوثيق الفني عبر الإذاعة والتلفزيون. وقد تزامن صعوده مع نهضة شاملة في دول الخليج، حيث لعب دوراً محورياً في صياغة الأغنية القطرية الحديثة التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة، مما ساهم في تعزيز الهوية الوطنية عبر الفنون.
نشأة ملهمة بين البحر والكلمة
ولد جاسم بن علي بن صفر الهيدوس عام 1951 في مدينة الخور الساحلية، ونشأ في كنف أسرة عريقة. كان للبحر تأثير طاغٍ على تكوين شخصيته، حيث وجد فيه الملاذ والهدوء، وانعكس ذلك على كتاباته التي اتسمت بالعمق والصفاء. كما كان لجدته “شيخة” دور كبير في صقل موهبته الأدبية، إذ غرست فيه حب الشعر والحكايات منذ نعومة أظفاره. تلقى تعليمه في مدارس الخور والدوحة، وبدأ حياته المهنية في الإذاعة القطرية خلال الثمانينات، حيث قدم برامج ناجحة مثل “تقاسيم وأوراق شعبية” و”صدى الوجدان”، قبل أن ينتقل إلى الصحافة ليترأس تحرير جريدة “شباب اليوم” ويكتب مقالاته الشهيرة في صحف الشرق والراية والوطن.
الأثر الفني والبعد الإقليمي
لم يقتصر تأثير جاسم صفر على النطاق المحلي فحسب، بل امتد إبداعه ليشمل الخليج العربي بأسره. فقد كتب كلمات الأغنية الرياضية الخالدة “يا منتخبنا الغالي”، التي تحولت إلى أيقونة للأغاني الرياضية في المنطقة، ولا تزال تتردد في الملاعب حتى اليوم، مما يعكس قدرته الفائقة على ملامسة مشاعر الجماهير. كما تعاون مع كبار الفنانين مثل علي عبدالستار والراحل فرج عبدالكريم في أعمال وطنية وعاطفية مثل “عيني قطر” و”أنا أقول آه”. هذا التنوع في الإنتاج، من الدراما التلفزيونية إلى مسرح الطفل والشعر، جعل منه مرجعاً ثقافياً هاماً، وأسهمت أعماله في توثيق اللهجة والمفردة القطرية ونشرها إقليمياً.
صفات إنسانية ورحيل مؤلم
عرف عن الراحل عزة النفس والهدوء، وكان سباقاً في مواكبة التطور التكنولوجي، حيث كان من أوائل من أدخلوا الإنترنت إلى منازلهم في قطر. ورغم صمته المعتاد، كان يحمل قلباً محباً لوطنه وأسرته وأصدقائه. تأثرت صحته بشكل كبير بعد تقاعده ورحيل رفيق دربه الفنان فرج عبدالكريم، ليعاني في سنواته الأخيرة من أزمات صحية انتهت بوفاته في 16 يناير 2023 بمستشفى حمد العام، بعد رحلة علاج في الخارج. رحل “أبو علي” جسداً، لكنه بقي حياً في وجدان كل من ردد أغانيه أو قرأ كلماته، شاهداً على عصر من الإبداع القطري الأصيل.
The post جاسم صفر الهيدوس: سيرة رائد الإبداع والأغنية القطرية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.










