انطلاق وتطور مبادرة الشريك الأدبي في المشهد الثقافي
اختتمت مؤخراً مبادرة الشريك الأدبي نسختها الخامسة بحفل ختامي مميز دعت إليه هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية. وتأتي هذه المبادرة الرائدة في سياق التحولات الثقافية الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030، والتي تهدف إلى تعزيز الثقافة كنمط حياة يومي، وجعل الأدب في متناول جميع فئات المجتمع. لقد انطلقت الفكرة أساساً من الرغبة في إخراج الفعاليات الثقافية من القاعات الأكاديمية المغلقة إلى الفضاءات العامة، وتحديداً المقاهي، لتصبح الثقافة جزءاً من اليوميات المعتادة. وفي ظل تعدد الرؤى والانطباعات حول المبادرة وأثرها، برزت تساؤلات تقييمية للوقوف على آراء الأكاديميين والمشاركين فيها.
تقييم الأكاديميين: بين اتساع المشاركة وغياب معايير التقييم
يرى الناقد الدكتور محمد إبراهيم الدبيسي أن المبادرة أتاحت مساحة واسعة للتفاعل المباشر بين المبدعين بجميع تخصصاتهم وبين الجمهور، وتوسعت في الاحتفاء بالجميع. لكنه أشار إلى أن هذا التوسع جاء أحياناً دون معايير واضحة للتقييم والاختيار، مما أدى إلى ظهور نتائج متفاوتة ملحوظة في قيمة وجودة كثير من الفعاليات، حيث غلب الحضور الكمي أحياناً على القيمة المعرفية والإبداعية. وشدد الدبيسي على أهمية وجود ضوابط علمية ومعايير ثقافية تضمن تحقيق قدر عالٍ من الجودة فيما يُقدم، بما يحفظ للمشروع مكانته ويعزز أثره الثقافي في صناعة مشهد أدبي فاعل وجاد.
الأثر المجتمعي وتطلعات المبادرة محلياً وإقليمياً
من جهتها، اعتبرت أستاذة الأدب في جامعة الباحة، الدكتورة أميرة المحارب، أن المبادرة شكلت رافداً حيوياً أسهم في خلخلة البناء الثقافي التقليدي عبر تقديم أسماء جديدة من داخل المدن ومكاشفتها أمام المتلقي. وتتجلى أهمية الحدث في قدرته على خلق نمط اجتماعي ثقافي قادر على فرض سماته محلياً وعربياً وعالمياً. وتساءلت المحارب عن وجود توصيات ثقافية عميقة لمعالجة مخرجات التجربة، داعية إلى إعداد ورش فعالة لإيصال نجوم المنطقة لمنصات التتويج والظهور الإعلامي المستحق، مما يضع المملكة بقوة على خريطة الشأن الثقافي العربي والدولي.
كسر احتكار النخبة وتحديات بيئة المقاهي
وفي سياق متصل، أكد الإعلامي عمر الغامدي، عضو أول شريك أدبي في منطقة الباحة، أن المبادرة أعادت صياغة العلاقة بين الثقافة والمجتمع، وجعلت من الأدب جزءاً من المشهد اليومي، كاسرةً الفكرة السائدة بأن الثقافة حكر على النخبة. ورغم هذا النجاح في اكتشاف أصوات إبداعية جديدة، لفت الغامدي إلى ضرورة تخصيص مساحات واسعة داخل المقاهي بعيداً عن ضجيج الأطباق وأصوات مطاحن القهوة التي تضعف تركيز الحضور. كما اعتبر طلال الطويرقي، عضو الشريك الأدبي بالطائف، أن المبادرة تصنع الوعي وتمنح الأدب دوراً حضارياً يتجاوز القراءة إلى بناء الفكر وترسيخ الهوية الثقافية المستدامة.
مقترحات تطويرية لضمان استدامة مبادرة الشريك الأدبي
أشارت الدكتورة حصة المفرّح، أستاذة الأدب والنقد في جامعة الملك سعود، إلى أن مبادرة الشريك الأدبي وفرت بيئة تجمع بين الجدية العلمية والترفيه الثقافي. ومع ذلك، لاحظت تفاوت مستوى المحتوى المقدم وتداخل مواعيد الفعاليات، خاصة في مدينة الرياض، مما يضطر الجمهور للمفاضلة بينها. واقترحت إنشاء منصة إلكترونية موحدة لتنظيم المواعيد، وتفعيل نظام التسجيل المسبق، وإعداد خطط تسويقية احترافية. كما دعت إلى توثيق الفعاليات ونشر تسجيلاتها لتعميم الفائدة، مؤكدة أن هذه الملاحظات التحسينية لا تنتقص من قيمة التجربة، بل تحفز لتطويرها لتصبح أعلى جودة وأوسع انتشاراً وتحقق رسالتها بأفضل صورة ممكنة.
The post تقييم مبادرة الشريك الأدبي: النجاح مرهون بضبط المعايير appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

