شهدت الأروقة السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية تطورات متلاحقة، حيث خفف وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث من حدة خططه المتعلقة بمسألة تخفيض القوات الأمريكية في أوروبا. جاء هذا التراجع التكتيكي بعدما رفض البيت الأبيض مقترحاً حاسماً كان هيجسيث يعتزم الإعلان عنه رسمياً خلال اجتماع لوزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة البلجيكية بروكسل، مما يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مستقبل التحالفات العسكرية.
الجذور التاريخية للوجود العسكري ومساعي تخفيض القوات الأمريكية في أوروبا
لفهم السياق العام لهذا الحدث، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للوجود العسكري الأمريكي في القارة العجوز. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، أسست واشنطن شبكة واسعة من القواعد العسكرية في دول مثل ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، بهدف ردع أي تهديدات في ذلك الوقت وضمان استقرار الأمن الأوروبي. ومع مرور العقود وتغير التهديدات العالمية، بدأت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في تقييم حجم هذا الوجود. وتأتي خطط تخفيض القوات الأمريكية في أوروبا اليوم كجزء من نقاش طويل الأمد حول ضرورة إعادة توزيع الموارد العسكرية الأمريكية بما يتناسب مع التحديات الحديثة، ومطالبة الحلفاء بتحمل مسؤولياتهم الأمنية بشكل أكبر.
تفاصيل المقترح المرفوض والمراجعة الشاملة
كشفت تقارير نشرتها صحيفة «وول ستريت جورنال» أن وزير الدفاع بيت هيجسيث كان يخطط للإعلان عن استقطاعات إضافية وجوهرية في أعداد القوات. كانت هذه الخطط تتجاوز مجرد إلغاء نشر لواء مدرع في بولندا وسحب لواء مشاة من رومانيا. إلا أن هذا المقترح قوبل برفض قاطع بعد مناقشات مكثفة مع وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي بالوكالة ماركو روبيو، بالإضافة إلى عدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية. ونتيجة لذلك، أعلن هيجسيث أن وزارة الدفاع (البنتاغون) ستجري مراجعة شاملة ودقيقة لتمركز القوات في أوروبا، وهي عملية استراتيجية قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر، مما يشير بوضوح إلى أن الإدارة الأمريكية لم تحسم بعد حجم أو توقيت أي تخفيضات مستقبلية.
موقف الرئيس ترامب من الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توجيه انتقادات صريحة لدول حلف الناتو. ويرى الرئيس ترامب أن العديد من الدول الأعضاء لا تتحمل نصيبها العادل من الإنفاق الدفاعي المتفق عليه، كما انتقد مواقف بعض الحلفاء تجاه ملفات حساسة مثل الصراع مع إيران. وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل أن وزير الدفاع هيجسيث حريص تماماً على أن تتماشى مواقفه وخططه مع توجيهات الرئيس ترامب، مشدداً على أنه لم يسعَ بأي شكل إلى تقييد حرية الرئيس في اتخاذ القرار النهائي بشأن مستقبل القوات.
التأثير المتوقع على التحالفات الدولية والأمن الإقليمي
تحمل هذه التحركات أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً على المستويين الإقليمي والدولي. فقد أثارت تصريحات هيجسيث ومقترحاته قلقاً واسعاً داخل أروقة حلف الناتو، وكذلك بين المشرعين الأمريكيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وتتركز المخاوف حول احتمالية أن تؤدي هذه الخطوات إلى إضعاف التحالف الغربي وتشجيع روسيا على اتخاذ خطوات أكثر جرأة. ومن المتوقع أن يهيمن ملف الوجود العسكري والإنفاق الدفاعي الأوروبي على جدول أعمال قمة الناتو المرتقبة في العاصمة التركية أنقرة الأسبوع القادم، حيث يسعى الحلف جاهداً إلى إظهار وحدة الصف ودعم أوكرانيا، وسط مخاوف من أن تؤثر الخلافات مع الرئيس ترامب على أجواء ونتائج القمة.
التحول الاستراتيجي ومستقبل الانتشار العسكري
تنسجم هذه المناقشات بشكل وثيق مع استراتيجية الدفاع الأمريكية الصادرة في يناير الماضي، والتي تدعو صراحة إلى تقليص الوجود العسكري في أوروبا والتركيز بصورة أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع نقل مسؤولية الدفاع التقليدي عن القارة الأوروبية إلى الحلفاء المحليين. وكان هيجسيث قد أثار جدلاً واسعاً في مايو الماضي عندما ألغى بشكل مفاجئ إرسال لواء مدرع إلى بولندا، مما أثار انتقادات بسبب غياب التشاور المسبق. وقد أفادت تقارير بأن الرئيس ترامب استفسر شخصياً عن أسباب هذا القرار، قبل أن يعلن لاحقاً عزمه إرسال خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا، وهي خطوة لم تُنفذ حتى الآن. ورغم التراجع المؤقت الحالي، لا تزال احتمالات تقليص الوجود العسكري مطروحة بقوة على الطاولة، في ظل سعي الإدارة لإعادة توزيع القوات بما يتوافق مع أولويات واشنطن الاستراتيجية الجديدة.
The post تراجع واشنطن عن خطة تخفيض القوات الأمريكية في أوروبا appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.


