تعتبر درجات الحرارة المرتفعة، الرطوبة الخانقة، والعواصف الرعدية من السمات البارزة لفصل الصيف في العديد من مناطق أمريكا الشمالية. ومع اقتراب الحدث الرياضي الأبرز، قد تشكل هذه العوامل المناخية بعد أسابيع قليلة تهديداً حقيقياً لمنافسات كأس العالم 2026 في كرة القدم. تقام النسخة الثالثة والعشرون من النهائيات العالمية في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمكسيك، موزعة على 16 مدينة مضيفة. ومن بين هذه المدن مناطق معتادة على درجات حرارة صيفية قاسية تتفاقم بفعل رطوبة عالية، مما يضع المنظمين أمام تحديات غير مسبوقة. وفي الوقت نفسه، تشكل حرائق الغابات المتكررة في أماكن مثل كندا وكاليفورنيا مخاطر إضافية على جودة الهواء وصحة المشاركين.

أبعاد تاريخية وتنظيمية للبطولة العالمية

لا تقتصر أهمية هذه النسخة على كونها الأكبر في التاريخ بمشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى، بل إنها تمثل عودة المونديال إلى أمريكا الشمالية بعد نسخة عام 1994 التي استضافتها الولايات المتحدة. في ذلك الوقت، واجهت البطولة تحديات مشابهة تتعلق بالحرارة المرتفعة، حيث أقيمت بعض المباريات في أوقات الظهيرة لتناسب البث التلفزيوني، مما أرهق اللاعبين. واليوم، مع اتساع الرقعة الجغرافية لتشمل ثلاث دول كبرى، تتضاعف التحديات اللوجستية والمناخية، مما يتطلب تخطيطاً دقيقاً لضمان سلامة الجميع ونجاح الحدث.

التأثير الاقتصادي والرياضي المرتقب للحدث

يحمل هذا المونديال تأثيراً اقتصادياً ورياضياً هائلاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمن المتوقع أن تدر البطولة إيرادات بمليارات الدولارات وتنعش قطاعات السياحة والبنية التحتية في المدن المضيفة. ومع ذلك، فإن أي تأخيرات أو إلغاءات للمباريات بسبب سوء الأحوال الجوية قد تؤدي إلى ارتباك في جداول البث التلفزيوني العالمي، مما يؤثر على تجربة مئات الملايين من المشاهدين حول العالم، ويضع ضغوطاً إضافية على الرعاة واللجان المنظمة.

العواصف الرعدية: التهديد الخفي في مباريات كأس العالم 2026

إلى جانب الحرارة، يبرز خطر الرعد والبرق. تؤدي العواصف الصيفية في الولايات المتحدة في أغلب الأحيان إلى إيقاف الأحداث الرياضية في الهواء الطلق. وقد فرض على المنظمين تأخير إلزامي لمدة 30 دقيقة عند حدوث صاعقة ضمن نطاق يتراوح بين 8 و10 أميال (13 إلى 16 كيلومتراً). وكل ضربة لاحقة تعني بدء فترة توقف جديدة مدتها نصف ساعة. وقد شهدت كأس العالم للأندية التي أقيمت العام الماضي، والتي شكلت بروفة لمونديال المنتخبات، تأخيراً كبيراً في ست مباريات بسبب الطقس. ويتوقع العلماء أن يصبح هذا التوقف أكثر شيوعاً مع استمرار الغازات الدفيئة في تسخين الكوكب.

أثارت التأخيرات المتكررة في مباريات البطولة انتقادات من بعض المدربين والمراقبين. ووصف الإيطالي إنزو ماريسكا، الذي كان مدرباً لتشيلسي الإنجليزي في حينها، هذه التأخيرات بأنها “مزحة” تتسبب بتشتيت التركيز، متسائلاً عما إذا كانت بعض المدن الأمريكية مناسبة لاستضافة مباريات بطولات كبرى.

إجراءات السلامة عند سماع الرعد

يحمل البرق مخاطر جسيمة. ورغم أن الوفيات الناجمة عن الضربات المباشرة نادرة، إلا أنها تحدث. وبحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، سُجلت 444 حالة وفاة بسبب الصواعق بين عامي 2006 و2021، وكان معظمها خلال أنشطة ترفيهية في الهواء الطلق. وتعد المناطق الواقعة شرق جبال الروكي الأعلى خطراً، إذ أن الرطوبة المرتفعة هناك بسبب دفء مياه خليج المكسيك تؤدي إلى تشكل عواصف رعدية.

يعبّر علماء عن قلقهم من أن يؤدي تغير المناخ إلى إدخال مزيد من عدم اليقين في أنماط العواصف. وقالت كيلسي مالوي من جامعة ديلاوير إنه رغم عدم رصد ميول قوية، لكن “من المتوقع أن يزداد البرق” بشكل عام في أجزاء من الولايات المتحدة. وأضافت أن المناخ الأكثر دفئاً “ارتبط بمعدلات أمطار أشد وكذلك بتيارات هوائية صاعدة أقوى”، مما “يعني شحناً كهربائياً أكبر للسحب، وبالتالي معدلات أعلى لوميض البرق”. وحثت الجماهير على الالتزام بالتحذيرات وإجراءات السلامة، مشيرة إلى أن الصاعقة يمكن أن تضرب على بعد أميال من موقع العاصفة الفعلي.

من جهته، قال زيكين دينغ، الباحث في البرق بجامعة فلوريدا، إن الملاعب تكون عادة محمية جيداً بإجراءات احترازية مثل مانعات الصواعق، وهي أجهزة معدنية تهدف إلى منع الأضرار الهيكلية أو الحرائق عبر اعتراض الضربات وتوفير مسار لتفريغ الشحنة الكهربائية الضارة. لكنه أضاف أن الضربات القريبة قد “تتسبب رغم ذلك في تعطيل الأحداث داخل الملاعب”.

خطر الحرارة المرتفعة على اللاعبين والجماهير

سيستخدم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عدداً من الملاعب المزودة بأسقف أو بتكييف هوائي أو بكليهما (مثل أتلانتا، دالاس، هيوستن، لوس أنجلوس، وفانكوفر)، وذلك للتخفيف من المخاوف المتعلقة بتأخيرات العواصف أو الحرارة الشديدة. لكن العديد من الملاعب مفتوحة، ما قد يعني تأخيرات بسبب العواصف وتعريض اللاعبين والجماهير لدرجات حرارة حارقة. وخلال مونديال الأندية 2025، أُقيمت العديد من المباريات في طقس تجاوز 90 درجة فهرنهايت (32 درجة مئوية)، مع رطوبة جعلت الإحساس بالحرارة أشد.

أصدر فريق من علماء المناخ مؤخراً تقريراً أفاد بأن “حرارة قاسية” قد تؤثر على ربع المباريات المقررة، بما في ذلك المباراة النهائية في نيوجيرسي. واعتمد فيفا فترة توقف لشرب الماء خلال كل شوط من المباريات. وتوقع الطبيب كريس مولينغتون من إمبريال كوليدج في لندن ألا يكون بعض اللاعبين “قادرين على اللعب بالحدّة التي اعتادوا عليها”. أما الجماهير التي قد يستهلك الكثير منها المشروبات تحت أشعة الشمس المباشرة وفي ظل حرارة ورطوبة عاليتين، فقد تواجه مخاطر صحية أكبر.

وقدمت مجموعة من اللاعبين المحترفين الحاليين والسابقين، بقيادة النرويجي مورتن ثورسبي، عريضة مؤخراً إلى فيفا تصف تأثيرات الحرارة، قائلين إنها “قد تجعلك تشعر بالدوار والإرهاق وتشنجات عضلية وأسوأ من ذلك”. وحثوا فيفا على تحديث إطار عمله الخاص بإجهاد الحرارة، مضيفين في رسالة مفتوحة: “ستكون فرصة ضائعة إذا لم تتحمل رياضة متأثرة إلى هذا الحد بأزمة المناخ مسؤوليتها في معالجتها”.

The post تحديات الطقس في كأس العالم 2026: تأثير الحرارة والعواصف appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version