استعاد نهر الفرات، شريان الحياة في شرق سوريا، حيويته المائية بصورة دراماتيكية غير مسبوقة منذ عام 1988، حيث اضطرت الإدارة الفنية لسد الطبقة (سد الفرات) إلى فتح بوابات المفيض بشكل متتابع للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود.

اعلان


اعلان

وجاء هذا الإجراء الاستثنائي عقب امتلاء البحيرة بنسبة 97% من سعتها القصوى، مما فرض تحدياً جديداً لإدارة وفرة مائية مفاجئة تلت سنوات طويلة من الجفاف القسري والتراجع الحاد في المناسيب.

وأوضح خبير السدود والموارد المائية عبد الرزاق العليوي لمنصة “سوريا الآن”، أن الأمطار الوفيرة التي هطلت هذا العام ضخت نحو 5 مليارات متر مكعب من المياه في بحيرات سد الفرات، دافعة بالمخزون إلى عتبة 97% من الخزان الأعظم للنهر.

وتأتي هذه الوفرة المائية مدفوعة بزيادة الوارد من تركيا عبر النهر، نتيجة ارتفاع معدلات الأمطار التي شهدتها تركيا ومناطق شمال وشرق سوريا خلال الموسم الحالي.

وأرغم هذا الامتلاء شبه الكامل المؤسسة العامة للسد على خيار فني اضطراري تمثل في رفع الإطلاقات المائية لتتجاوز المخطط الطبيعي البالغ 290 متراً مكعباً في الثانية، حيث أكد العليوي أن كمية المياه الممررة حالياً تبلغ 800 متر مكعب في الثانية، مع توقعات تصاعدية بأن تصل إلى العتبة الحرجة عند 1000 متر مكعب في الثانية.

وأعلنت وزارة الطاقة السورية، في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا)، أن الكوادر الفنية في المؤسسة العامة لسد الفرات باشرت فتح ثلاث من بوابات المفيض للسيطرة على هذه الموجة الفيضانية غير المعتادة.

وأوضحت الوزارة أن الإجراء يأتي ضمن خطة متكاملة للحفاظ على السلامة الإنشائية والتشغيلية للسدود، حيث تواصل الفرق الهندسية أعمال المراقبة والتشغيل على مدار الساعة لضمان التعامل الآمن مع كميات المياه الواردة وفق المعايير الفنية المعتمدة.

وأضافت أن الكوادر المختصة تعمل أيضاً على رفع جاهزية مجموعات التوليد الكهرومائية، بما يدعم الشبكة الوطنية بالكهرباء ويعزز استقرار المنظومة الكهربائية في سوريا.

حالة استنفار وتحذيرات عاجلة

وتزامناً مع فتح البوابات وارتفاع منسوب النهر، أصدرت دائرة الإنذار المبكر والتأهب في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث جملة من التعليمات الصارمة للقاطنين على ضفاف النهر أو ضمن حرمه في الرقة ودير الزور.

وشملت التحذيرات، وفق ما نقلته سانا، الاستعداد لموجة فيضان وارتفاع المنسوب لأكثر من مترين، والإخلاء الفوري للمنازل والمحال القريبة من النهر وخاصة في الحوائج والمناطق المنخفضة.

ودعت التعليمات إلى إيقاف الإبحار بالزوارق وعبّارات المياه، وتخفيف العبور عبر الجسور الترابية والامتناع عنها تماماً إذا تفاقم المنسوب، مع وقف السباحة بشكل كلي خلال هذه الفترة، ونقل العوائل والثروة الحيوانية والآلات والمعدات الزراعية إلى مناطق مرتفعة وآمنة.

وكان للارتفاع في منسوب المياه تداعيات ملموسة على الأرض، حيث تسبب بفيضان جزئي لمخيم “اليوناني” للنازحين جنوب مدينة الرقة، مما أدى إلى تضرر عشرات الخيام وإجبار العائلات على إجلاء الأطفال وممتلكاتهم على وجه السرعة.

ونقلت سانا عن أحد النازحين ويدعى عبد الحكيم العلي تحذيره من تفاقم الوضع إذا لم تتدخل الجهات المعنية، قائلاً إن “المياه وصلت إلى الخيام بسرعة كبيرة”.

خطة عاجلة لحماية القطاع الزراعي

وأكد مدير الزراعة في محافظة دير الزور علي العلوش، في تصريحات نقلتها سانا، اتخاذ المديرية تدابير شاملة لحماية القطاع الزراعي والحيواني في مواجهة أي ارتفاع إضافي محتمل.

وتضمنت الإجراءات تنظيف وفتح المصارف الزراعية فوراً في الأراضي السهلية المنخفضة، وتدعيم السواتر الترابية قرب الضفة والمناطق المجاورة للجزر النهرية، إلى جانب الإسراع في حصاد محصولي القمح والشعير الجاهزين قبل غمرهما بالمياه.

وشملت الخطة أيضاً إيقاف الري مؤقتاً لتجنب تشبع التربة وانهيار الجسور الترابية، ومراقبة المنسوب كل 3 إلى 6 ساعات في القرى المنخفضة، مع تجهيز سواتر رملية حول الأراضي المعرضة للخطر وتحديد طرق بديلة لحركة الجرارات والشاحنات.

وأضاف العلوش أن التدابير شملت نقل الأغنام والأبقار إلى مناطق مرتفعة، ورفع الأعلاف فوق منصات خشبية أو أسمنتية، وتأمين خزانات مياه نظيفة تحسباً للتلوث، مع تنفيذ حملات رش ومتابعة بيطرية دورية للحد من أمراض الرطوبة وركود المياه.

وجرى فصل الكهرباء عن المضخات والآبار القريبة من مناطق الغمر، واستخدام أكياس الرمل لحماية الحظائر والمستودعات، ورفع المولدات والمحركات والخزانات.

استنفار الدفاع المدني وخطط الإخلاء

وأعلن الدفاع المدني السوري رفع مستوى الجاهزية واتخاذ سلسلة من الإجراءات الاحترازية لمواجهة مخاطر الفيضانات بالتنسيق مع الجهات الفنية المختصة.

وأوضح مدير برنامج البحث والإنقاذ في الدفاع المدني بوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، وسام زيدان، في تصريحات لسانا، أن الإجراءات تشمل رفع الجاهزية في مراكز الطوارئ والفرق الميدانية القريبة من مجاري الأنهار والمناطق المهددة، إلى جانب تنفيذ تقييم سريع للمناطق المنخفضة والتجمعات السكانية الأكثر عرضة لخطر الفيضانات.

وأشار زيدان إلى إعداد خطط إخلاء احترازية للمناطق القريبة من الأنهار والسدود الفرعية، مع نشر فرق استطلاع ومراقبة لرصد أي تغيرات ميدانية، وتنسيق مع البلديات والمجالس المحلية لتحديد مراكز إيواء ومسارات آمنة للإخلاء عند الحاجة.

وأضاف أن فرق الإنقاذ زُودت بالقوارب والمركبات ومعدات الإنقاذ المائي ومضخات سحب المياه لضمان سرعة الاستجابة للحالات الطارئة، بالتوازي مع إصدار تنبيهات وتحذيرات مبكرة للسكان عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

كما أشار إلى وجود خطط دعم ومؤازرة بين المحافظات لتعزيز الاستجابة عند الحاجة، إلى جانب تجهيز فرق لتقييم الأضرار والاستجابة الإنسانية، ورفع جاهزية سيارات الإسعاف والإطفاء والآليات الثقيلة للتدخل السريع.

إغلاق جسر وتدعيم البنية التحتية في الرقة

وتعطلت حركة المرور مؤقتاً على الجسر المؤقت الذي يربط منطقة الكرامة بمعدان بين ضفتي الفرات، كإجراء احترازي بعد ظهور حفر وتشققات في الجزء الذي تم ردمه سابقاً نتيجة تأثير المياه المرتفعة.

ونقلت سانا عن رئيس دائرة الطرق في مديرية الخدمات الفنية بالرقة، المهندس أحمد الدندل، قوله إن الورشات باشرت إجراءات شملت قطع الجسر وإزالة الأقواس مؤقتاً لتأمين إدخال 20 جبالة أسمنت نحو الطرف الجنوبي من جسر الرشيد الجديد لاستكمال صبه، إلى جانب إدخال رافعة ثقيلة لإنزال كتل أسمنتية لتدعيم القسم المتضرر من الجسر القديم لتعزيز السلامة، مؤكداً أن الوضع الإنشائي لا يزال تحت السيطرة.

ويقع سد الفرات على بعد 50 كيلومتراً غرب مدينة الرقة في مدينة الطبقة، ويمتد بطول 4.5 كيلومترات وبعرض يبلغ 20 متراً من الأعلى و60 متراً عند القاعدة.

وبُني جسم السد من الأسمنت والحديد الصلب وصُمم لمقاومة هزات أرضية تصل قوتها إلى 7 درجات على مقياس ريختر، فيما تزيد سعة بحيرته التخزينية على 10 مليارات متر مكعب من المياه.

ودعا المدير العام للمؤسسة العامة لسد الفرات هيثم بكور، في تصريح نقلته سانا، السكان إلى عدم الاقتراب من النهر أو السباحة فيه خلال الفترة المقبلة، وسرعة سحب المعدات الزراعية من على ضفافه.

وأكد بكور أن الوضع لا يشكل خطراً داهماً على القرى والبلدات الممتدة على جانبي النهر.

نهر تحت وطأة التغير المناخي والنزاع

ويلبي نهر الفرات تاريخياً نحو 85% من الاحتياجات المائية للقطاع الزراعي في سوريا، ويمثل المصدر الرئيسي لمياه الشرب وتربية الماشية.

وعانى النهر على مدى عقود من تحديات بنيوية وتاريخية، حيث ارتفعت درجات الحرارة في شمال شرق البلاد بمقدار درجة مئوية وانخفض معدل الأمطار بمقدار 18 مليمتراً شهرياً في القرن الواحد، مما أدى إلى انخفاض تدفق نظام نهري الفرات ودجلة إلى ما يقرب من نصف المتوسط السنوي خلال سنوات الجفاف، وتحذيرات إقليمية من خطر الجفاف بحلول عام 2040.

وتراجعت إمدادات مياه الشرب في سوريا بنسبة 40% خلال سنوات النزاع نتيجة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنى التحتية المائية والكهربائية وانقسام السدود الكبرى بين مناطق سيطرة مختلفة، مما دفع نحو 47% من السكان إلى الاعتماد على بدائل غير آمنة لنقل المياه.

ورغم اتفاقية عام 1987 بين دمشق وأنقرة التي حددت الحد الأدنى للتدفق بـ500 متر مكعب في الثانية، تراجع التدفق في سنوات ماضية إلى نحو 200 متر مكعب في الثانية فقط.

وتأتي الوفرة الحالية بعد أن شهدت المناطق الشمالية والشرقية من سوريا معدلات أمطار أعلى من المعتاد هذا الموسم، مما ساهم في تحسين المخزون المائي لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف الفيضان، وفق ما ذكرته الوكالة العربية السورية للأنباء.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version