تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة تحولاً استراتيجياً خطيراً يتجاوز مجرد الإجراءات الأمنية المؤقتة، حيث تسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية بشكل علني وممنهج إلى إعادة هندسة الواقع في الضفة الغربية. ولم تعد الاقتحامات اليومية، والحواجز العسكرية، وتصاعد عنف المستوطنين مجرد ردود أفعال ميدانية، بل هي أدوات مدروسة ضمن رؤية أوسع تهدف إلى فرض سيادة أمر واقع يقضي على أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً.
جذور الصراع والسياق التاريخي لسياسات الضم
لفهم الأبعاد العميقة لما يجري اليوم، يجب العودة إلى السياق التاريخي الذي أعقب حرب عام 1967، عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. منذ ذلك الحين، تراوحت السياسات الإسرائيلية بين “إدارة الصراع” و”تقليصه”، لكن الصعود المتزايد لليمين المتطرف في السنوات الأخيرة نقل الاستراتيجية إلى مرحلة الحسم المباشر. إن تسارع وتيرة بناء المستوطنات وتوسيع البؤر الرعوية يمثل تطبيقاً عملياً لخطط الضم الصامت، مستغلاً غياب الرقابة الدولية الفعالة والانشغال العالمي بالأزمات الإقليمية والدولية المتلاحقة.
أبعاد التغيرات الديموغرافية وتأثيرها على الواقع في الضفة الغربية
إن إعادة صياغة الخارطة الجغرافية والديموغرافية تهدف بالأساس إلى تفتيت الكتل السكانية الفلسطينية وتحويل المدن والقرى إلى معازل معزولة. هذا التغيير الممنهج في الواقع في الضفة الغربية لا يستنزف الاقتصاد الفلسطيني المحلي فحسب، بل يشل حركة المواطنين اليومية ويدفعهم نحو اليأس الاقتصادي والاجتماعي. يتكامل هذا المخطط مع الدور الوظيفي المتصاعد لعنف المستوطنين، الذي يحظى بغطاء سياسي وعسكري لتسهيل الاستيلاء على الأراضي الحيوية، لا سيما في المناطق المصنفة “ج” التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة.
التداعيات الإقليمية والدولية وموقف الإدارة الأمريكية
لا تقف تأثيرات هذه السياسة عند حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي، وخاصة للأردن الذي يرى في محاولات التهجير القسري وتصفية القضية الفلسطينية خطاً أحمر يمس أمنه القومي. دولياً، يواجه المجتمع الدولي اختباراً حقيقياً لمدى التزامه بقرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين. وفي هذا السياق، تترقب الأوساط السياسية مواقف القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لمعرفة مدى تأثير الدعم السياسي الأمريكي على وتيرة هذه المخططات الاستيطانية، وما إذا كانت الإدارة الحالية ستتخذ خطوات حاسمة لتهدئة الأوضاع أم ستمنح الضوء الأخضر لمزيد من إجراءات الضم الفعلي.
نحو استراتيجية فلسطينية موحدة لمواجهة التحديات
أمام هذا المنعطف التاريخي الخطير، يرى الخبراء والمحللون، ومنهم الدكتور عبدالرحيم محمود جاموس، أن مواجهة هذه الاستراتيجية الإسرائيلية الشاملة لا يمكن أن تقتصر على ردود الفعل الميدانية المؤقتة. بل يتطلب الأمر صياغة رؤية وطنية فلسطينية موحدة تستعيد وحدة القرار السياسي، وتعزز صمود المواطنين على أرضهم، وتفعل أدوات القانون الدولي والدبلوماسية بشكل متوازٍ. إن الضفة الغربية تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما الاستسلام لسياسة فرض الأمر الواقع، أو التحرك الدولي والعربي العاجل لإنقاذ ما تبقى من فرص السلام العادل والشامل في المنطقة.
The post الواقع في الضفة الغربية: من إدارة الصراع إلى فرض الضم appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

