تستعد المحكمة الجنائية الدولية لمرحلة جديدة وحاسمة من المواجهة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي هذا السياق، كشفت مصادر مسؤولة داخل المحكمة عن اتخاذ تدابير استباقية صارمة للحد من تأثير العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية، والتي قد تطال الهيكل التشغيلي والمالي للمؤسسة القضائية بأكملها، بعد أن اقتصرت في السابق على أفراد وقضاة محددين. وتأتي هذه الخطوات لضمان استمرارية العمل القضائي الدولي بعيداً عن الضغوطات السياسية والاقتصادية التي تمارسها القوى الكبرى.
إجراءات استباقية لتحصين الأنظمة المالية والتقنية
أوضحت نزهت شميم خان، نائبة المدعي العام للمحكمة، في مقابلة مع صحيفة “فايننشال تايمز”، أن المحكمة وضعت “حواجز حماية” متكاملة منذ قرابة عام لتأمين عملياتها. وشملت هذه الاستعدادات تنزيل وطباعة الملفات الحساسة، ومراجعة المعاملات المصرفية والتأمين، وترتيبات السفر والعمل عن بعد.
ومن أبرز الخطوات التقنية التي اتخذتها المحكمة لتقليل الاعتماد على الشركات الأمريكية، البدء في نقل برامج العمل المكتبي من منصة “مايكروسوفت” إلى منصة “أوبن ديسك” الألمانية المفتوحة المصدر، بعد أن كان الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية يتجاوز 90%. كما قامت المحكمة بوضع ترتيبات بديلة للخدمات المصرفية والتأمين الصحي، وصرف رواتب الموظفين لعدة أشهر مقدماً لتفادي أي تجميد محتمل للأصول.
جذور الخلاف وتاريخ الصراع بين واشنطن ولاهاي
يعود التوتر بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية إلى عقود مضت، حيث لم تصادق واشنطن على “نظام روما الأساسي” المنشئ للمحكمة، رغبة منها في حماية جنودها ومسؤوليها من الملاحقة القضائية الدولية. وقد تصاعد هذا التوتر بشكل حاد بعد إصدار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يتيح فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة، متهماً إياها باتخاذ إجراءات “غير مشروعة” ضد الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
وقد بلغت المواجهة ذروتها بعد إصدار المحكمة في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يواف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. هذه الخطوة أثارت غضب واشنطن، مما دفعها لفرض عقوبات جمدت بموجبها أصول أربعة قضاة وحدت من تعاملاتهم المالية، وهو ما يعيد إلى الأذهان العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب سابقاً على المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا قبل أن تلغيها إدارة جو بايدن في عام 2021.
تأثير العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية ومستقبل العدالة
تتجاوز تداعيات هذه المواجهة الجوانب الإدارية والتقنية لتلقي بظلالها على الساحة الدولية والإقليمية. فعلى المستوى الإقليمي، تسهم مذكرات التوقيف والتهديدات الأمريكية في إعادة تشكيل المواقف السياسية تجاه الصراع في الشرق الأوسط، وتضع الدول الموقعة على ميثاق روما أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بالقانون الدولي في حال زار نتنياهو أراضيها.
أما على المستوى الدولي، فإن نجاح المحكمة في مقاومة الضغوط الأمريكية يمثل اختباراً حاسماً لمبدأ سيادة القانون الدولي فوق موازين القوى السياسية. ويرى مراقبون أن قدرة المحكمة على حماية استقلاليتها القضائية والمالية ستحدد مستقبل العدالة الجنائية الدولية، ومدى قدرتها على ملاحقة المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة بغض النظر عن نفوذ الدول الداعمة لهم.
The post العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية: خطة المواجهة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.


