مع التطور الهائل في التقنيات التوليدية، تبرز قضية السرقات الأدبية والذكاء الاصطناعي كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الأوساط الثقافية والأكاديمية اليوم. فبينما يرى البعض في الآلة شريكاً إبداعياً يختصر الوقت والجهد، يخشى آخرون من تحولها إلى أداة لشرعنة الانتحال وتزييف الوعي البشري. هذا التداخل المريب بين العقل البشري والخوارزميات يضع النقاد والمشرفين على الرسائل العلمية في حيرة حقيقية أمام منتج “ذكالي” هجين يصعب تصنيفه أحياناً.
الجذور التاريخية لظاهرة السطو الفكري
إن قضية السرقات الفكرية ليست وليدة العصر الرقمي؛ بل هي ظاهرة قديمة قدم الإبداع نفسه. ففي التراث العربي، شكّلت سرقات الشعراء مبحثاً نقدياً واسعاً منذ القرن الثالث الهجري، حيث تتبع النقاد القدامى تداخل النصوص وتأثر اللاحق بالسابق. ومع الثورة الصناعية ثم الرقمية، تطورت هذه الظاهرة لتأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً. واليوم، مع دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي على خط الإنتاج المعرفي، انتقلنا من السطو التقليدي (نقل نص ونسبته للذات) إلى ما يمكن تسميته بالانتحال التوليدي، حيث تقوم الآلة بإعادة صياغة وتوليد نصوص جديدة كلياً بناءً على قواعد بيانات ضخمة، مما يجعل كشفها بالوسائل التقليدية أمراً بالغ الصعوبة.
السرقات الأدبية والذكاء الاصطناعي في ميزان النقد العربي
لاستكشاف أبعاد هذه المعضلة، تباينت آراء نخبة من النقاد العرب البارزين. يرى الناقد الدكتور أيمن بكر أننا نعيش حالياً فترة انتقالية تسمح للمتسلقين وأنصاف الموهوبين بالاندفاع نحو استخدام التقنيات الحديثة لتعويض نقص مواهبهم. ومع ذلك، يؤكد بكر أن هذه المرحلة ستشهد أيضاً تطوير أدوات نقدية قادرة على كشف آليات الذكاء الاصطناعي وتمييز المنتج البشري الأصيل، متوقعاً انتصار الإبداع الإنساني في النهاية، مشبهاً ذلك بمحاولات السطو الموسيقي والسينمائي في النصف الأول من القرن العشرين والتي كُشفت لاحقاً.
من جهتها، تصف الدكتورة رائدة العامري عصر الذكاء الاصطناعي بأنه “من أخطر العصور” على صعيد الملكية الفكرية، نظراً لسهولة الحصول على النصوص والأفكار الجاهزة التي تغري بالسرقة. لكنها تعول على “القارئ اللبيب” القادر على تلمس العلامات الإنسانية الفريدة التي تعجز الخوارزميات عن محاكاتها، مؤكدة أن التأمل العميق كفيل بكشف هذه السرقات وتعريتها.
بين التناص والسرقة الصريحة
وفي سياق متصل، يفرق الدكتور فهد الهندال بين “السرقة الأدبية” التي تعني السطو الكامل والادعاء الكاذب بنسب نص كامل أو اختلاق وثائق، وبين “التناص” الذي يمثل تفاعلاً طبيعياً بين النصوص وتلاقحاً للأفكار. ويوضح الهندال أن الخوارزميات ترصد التشابه اللفظي فقط، لكنها تفتقر إلى الذوق النقدي والجمالي القادر على تقييم الإضافة الفنية والتحوير الإبداعي الذي يضفيه الكاتب البشري.
الانتحالة الرقمية ومفهوم “الأرحام المستأجرة”
يطرح الدكتور سعيد الدحية بعداً فلسفياً جديداً، مفضلاً مصطلح “الانتحالة الرقمية” على “السرقة”. فالذكاء الاصطناعي لا يسرق نصاً لشخص معين، بل يولد نصاً جديداً بالكامل لا ينسب لأحد. ويشبه الدحية هذه العملية بـ”الأرحام المستأجرة”، حيث تكون تطبيقات الذكاء الاصطناعي بمثابة حاضنة تستقبل فكرة الإنسان لتلد نصاً جذاباً ينسبه المستخدم لنفسه. ويدعو الدحية إلى ضرورة “الإفصاح” الشفاف عن حدود الاستعانة بالآلة ونسبتها بدلاً من تحريمها المطلق، محذراً من التبني الأعمى لمخرجات الآلة دون تمحيص لغوي وأسلوبي.
رؤية الغذامي: من الاحتفال بالنتائج إلى فحص المهارات
أما المفكر والناقد الدكتور عبدالله الغذامي، فيشير إلى أن السرقات الأكاديمية كانت تتم سابقاً عبر استئجار أشخاص لكتابة الرسائل العلمية بمقابل مادي من مكتبات الجامعات. ومع الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه السرقات أكثر سهولة وإتقاناً لدرجة قد تخدع لجان المناقشة والمشرفين.
ولمواجهة هذا التحدي، يقترح صاحب كتاب “العقل المؤمن والعقل الملحد” تحولاً جذرياً في الإستراتيجيات التعليمية والبحثية؛ من التركيز على “النتائج الجاهزة” إلى التركيز على “المهارات الفردية” والمنطق التحليلي للباحث. ويدعو الغذامي إلى تبني “المنهج السقراطي” في المناقشات الأكاديمية، بحيث يتم فحص “بحثية الباحث” وقدرته الفكرية الذاتية بدلاً من الاكتفاء بتقييم الورقة البحثية المكتوبة، معتبراً ذلك السبيل الوحيد لحماية الشرف العلمي في عصر الآلة.
التأثيرات المتوقعة على الساحة المحلية والدولية
تتجاوز تأثيرات هذه القضية الحدود الأكاديمية لتلقي بظلالها على القوانين والتشريعات الدولية المنظمة للملكية الفكرية وحقوق المؤلف. محلياً وإقليمياً، تواجه الجامعات والمؤسسات البحثية العربية تحدياً مصيرياً يتطلب تحديث أدوات الكشف الرقمي وإعادة صياغة معايير الأمانة العلمية. أما دولياً، فإن الصراع القانوني بين شركات التكنولوجيا الكبرى والكتّاب والمبدعين حول استخدام مؤلفاتهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الاقتصاد الإبداعي العالمي، مما ينذر بحرب ثقافية كونية مستمرة للدفاع عن أصالة الفكر البشري وحمايته من التزييف.
The post السرقات الأدبية والذكاء الاصطناعي: انتحال أم إبداع؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

