جذور التوترات وتأثيرها على أزمة الطاقة في أفريقيا
تعيش القارة السمراء اليوم تداعيات اقتصادية معقدة، حيث تشهد عدة دول حالة من التأهب الاقتصادي واتخاذ إجراءات طارئة لمواجهة أزمة وقود متفاقمة. هذه التطورات جاءت على خلفية تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد أدت هذه التوترات الجيوسياسية إلى اضطرابات واسعة في إمدادات الطاقة عالمياً، مما أشعل أزمة الطاقة في أفريقيا بشكل غير مسبوق، وفقاً لتقارير دولية حديثة.
تاريخياً، لطالما كانت الدول الأفريقية عرضة للصدمات الخارجية في أسواق الطاقة. فعلى الرغم من امتلاك القارة لاحتياطيات هائلة من النفط الخام، إلا أن ضعف البنية التحتية للتكرير يجعلها تعتمد بشكل كبير على استيراد الوقود المكرر. ومع تصاعد التوترات بالقرب من الممرات المائية الاستراتيجية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، تعطلت سلاسل التوريد، مما أعاد للأذهان الأزمات الاقتصادية التي تلت صراعات عالمية سابقة، وجعل تأمين الطاقة تحدياً وجودياً للعديد من الحكومات في الوقت الراهن.
انقطاعات الكهرباء وحالة الطوارئ في دول القارة
في جنوب السودان، بدأت السلطات تطبيق نظام صارم لتقنين الكهرباء في العاصمة جوبا. وأعلنت شركة توزيع الكهرباء الرئيسية “جيدكو” عن انقطاعات يومية مبرمجة بنظام التناوب لإدارة الموارد المحدودة. يأتي ذلك في وقت يعتمد فيه البلد بشكل شبه كامل على النفط لتوليد الكهرباء، رغم امتلاكه احتياطيات كبيرة يتم تصديرها خاماً، بينما يستورد الوقود المكرر. ويعاني السكان بالفعل من انقطاعات مستمرة منذ العام الماضي بسبب أعمال الصيانة، إلا أن الأزمة الحالية زادت من حدتها، مما دفع القادرين للتحول للطاقة الشمسية رغم تكلفتها المرتفعة.
وفي موريشيوس، أعلنت الحكومة حالة طوارئ في قطاع الطاقة بعد تأخر شحنة نفط حيوية، مما أدى إلى تراجع المخزون الاستراتيجي ليكفي 21 يوماً فقط، مع فرض قيود صارمة على القطاعات كثيفة الاستهلاك والبحث عن بدائل مكلفة.
التضخم وخسائر القطاعات الحيوية
لم تقتصر الأزمة على انقطاع التيار، بل امتدت لغلاء المعيشة. في زيمبابوي، رفعت الحكومة نسبة الإيثانول في الوقود إلى 20% وألغت بعض الضرائب لمحاولة كبح الأسعار التي ارتفعت بنسبة 40% خلال أقل من شهر، مما ضاعف تكاليف المعيشة وكبد الأنشطة الصغيرة خسائر فادحة. وفي إثيوبيا، تم توجيه الوقود للمؤسسات الأمنية والمشاريع الحكومية، مع إعلان منطقة تيغراي وقفاً كاملاً للإمدادات وسط مخاوف من تجدد النزاع. أما في كينيا، تعاني نحو 20% من المحطات من نقص الإمدادات بسبب الشراء المذعور، في حين تكبد قطاع الزراعة، وخاصة صادرات الزهور، خسائر بملايين الدولارات بسبب اضطرابات الشحن وتراجع الطلب في الشرق الأوسط.
الرابحون من الأزمة: تحولات استراتيجية في مسارات الشحن
على الجانب الآخر، وفي خضم هذه التحديات الإقليمية والدولية، قد تستفيد بعض الدول من هذا المشهد المعقد. فمع تحويل مسارات الشحن البحري بعيداً عن البحر الأحمر هرباً من التوترات، يشهد طريق رأس الرجاء الصالح نشاطاً متزايداً. هذا التحول الاستراتيجي يعزز من حركة الموانئ في جنوب وشرق أفريقيا، مما يزيد من الطلب على خدمات التزود بالوقود والخدمات البحرية.
كما يُرجح أن تستفيد نيجيريا، ثاني أكبر منتج للنفط في أفريقيا، من ارتفاع أسعار الخام العالمية، حيث تسعى لزيادة إنتاجها لتلبية الطلب. ومع ذلك، يحذر الخبراء الاقتصاديون من أن هذه المكاسب الدولية قد لا تنعكس إيجاباً وسريعاً على المواطن المحلي، نظراً لارتفاع تكاليف النقل والوقود عالمياً. إن استمرار هذا الصراع ينذر بتغييرات هيكلية في اقتصادات القارة، مما يفرض على الحكومات الأفريقية البحث عن حلول مستدامة لتأمين استقلالها.
The post التوترات الجيوسياسية مع إيران تشعل أزمة الطاقة في أفريقيا appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

