تُعد بطولة مونديال إنجلترا 1966 علامة فارقة في تاريخ الساحرة المستديرة، حيث شهدت أحداثاً دراماتيكية لا تزال محفورة في ذاكرة عشاق كرة القدم حتى يومنا هذا. من سرقة كأس البطولة قبل انطلاقها، مروراً بالمقاطعة الإفريقية التاريخية، وصولاً إلى “الهدف الشبح” الذي حسم اللقب، شكلت هذه النسخة نقطة تحول كبرى في مسار بطولات كأس العالم.
عودة كرة القدم إلى مهدها في مونديال إنجلترا 1966
في منتصف الستينيات، وبينما كان العالم مسحوراً بموسيقى “البيتلز” وفرق البوب البريطانية، وابتكار ماري كوانت لتنانير “ميني” القصيرة، عادت كرة القدم أخيراً إلى مهدها. استضافت إنجلترا، التي خاضت أول مباراة دولية رسمية في التاريخ عام 1872 ضد جارتها اسكتلندا، النسخة الثامنة من كأس العالم. افتتحت الملكة إليزابيث الثانية البطولة وسط أجواء حماسية غير مسبوقة، حيث أضفى الجمهور الإنجليزي طابعاً خاصاً بفضل قرب المدرجات من أرضية الملعب.
تأثير البطولة وتطور النقل التلفزيوني والتنظيمي
لم تكن هذه النسخة مجرد مسابقة رياضية، بل امتد تأثيرها الإقليمي والدولي ليغير شكل كرة القدم الحديثة. بفضل التطور التكنولوجي والأقمار الاصطناعية، تسنى لملايين المشاهدين حول العالم متابعة المباريات مباشرة، مما ضاعف من شعبية اللعبة تجارياً وإعلامياً. كما شهدت البطولة ابتكارات تنظيمية هامة؛ فظهرت أول تميمة رسمية في تاريخ كأس العالم وهي “الأسد ويلي”، واعتُمدت اختبارات المنشطات لأول مرة، ومُنع تجنيس اللاعبين العشوائي. علاوة على ذلك، كانت هذه النهائيات هي الأخيرة قبل اعتماد البطاقات الصفراء والحمراء، وذلك بعد الإشكالات التحكيمية الكبيرة، أبرزها في لقاء إنجلترا والأرجنتين في ربع النهائي، والتي ألهمت الحكم كين أستون لابتكار نظام البطاقات.
قصة الكأس المسروقة والكلب بيكلز
شعر المسؤولون الإنجليز بحرج بالغ قبل أربعة أشهر فقط من ضربة البداية، إثر اختفاء كأس “جول ريميه” من المعرض الذي وُضعت فيه. ذهبت مساعي شرطة “اسكتلنديارد” أدراج الرياح، وكاد الموقف أن يتحول إلى فضيحة دولية، إلى أن عثر عليها كلب يُدعى “بيكلز” بعد 7 أيام. وُجدت الكأس ملفوفة بجريدة ومرمية تحت شجيرة في جنوب لندن، فنال صاحب الكلب مكافأة مالية وبطاقات لدخول الملاعب مجاناً، ليصبح الكلب بطلاً قومياً.
مقاطعة إفريقيا ومفاجأة كوريا الشمالية المدوية
على الصعيد السياسي والرياضي الدولي، سبقت البطولة مقاطعة تاريخية في التصفيات من 15 دولة إفريقية. جاء هذا القرار احتجاجاً على منح القارة بطاقة تأهل يتيمة مشتركة مع آسيا وأوقيانوسيا، واعتراضاً على إعادة اعتراف “فيفا” بجنوب إفريقيا رغم نظام الفصل العنصري. أدى هذا الموقف الصارم لاحقاً إلى تغيير سياسات الفيفا ومنح إفريقيا مقاعد ثابتة. ورغم الغياب الإفريقي الرسمي، رفع أوزيبيو، ابن موزمبيق (المستعمرة البرتغالية آنذاك)، راية التألق بتسجيله 9 أهداف وتتويجه بلقب هداف البطولة.
وفي سياق المفاجآت، فجرت كوريا الشمالية المغمورة قنبلة كروية بإقصائها إيطاليا، بطلة العالم مرتين، من الدور الأول بهدف نظيف. استُقبل المنتخب الإيطالي الخاسر في روما بالبيض والطماطم. وكادت كوريا أن تواصل زحفها بعد تقدمها على البرتغال بثلاثية نظيفة في ربع النهائي، لولا انتفاضة أوزيبيو الذي سجل رباعية تاريخية قلبت النتيجة إلى (5-3).
سقوط البرازيل ومعاناة الأسطورة بيليه
دخلت البرازيل البطولة كحاملة للقب في نسختي 1958 و1962، لكنها واجهت خيبة أمل كبيرة بخروجها من الدور الأول. عانى الفريق من التخبط في اختيار التشكيلة، والأهم من ذلك، تعرض نجمها الأول بيليه لخشونة متعمدة ومفرطة. أصيب بيليه في المباراة الافتتاحية ضد بلغاريا، وغاب عن مواجهة المجر التي أوقفت سلسلة البرازيل الخالية من الهزائم. وفي المباراة الحاسمة ضد البرتغال، تعرض بيليه لضرب مبرح مجدداً، مما دفعه للتصريح بأن مونديال 1966 كان أصعب تجربة له، مقسماً حينها ألا يلعب في كأس العالم مجدداً، وهو القرار الذي تراجع عنه لاحقاً ليقود بلاده لمجد 1970.
الهدف الشبح وتتويج إنجلترا التاريخي
في ظل قيادة المدرب ألف رامسي، الذي وعد منذ تعيينه عام 1963 بتحقيق اللقب، شقت إنجلترا طريقها بثبات. اعتمد الفريق على صلابة القائد بوبي مور، وبراعة الحارس غوردون بانكس، وتألق بوبي تشارلتون. وفي النهائي المثير على ملعب ويمبلي ضد ألمانيا الغربية بقيادة نجمها الصاعد فرانز بيكنباور، برز اسم المهاجم جيف هيرست الذي شارك كبديل للمصاب جيمي غريفز.
سجل هيرست ثلاثية (هاتريك) تاريخية، لكن هدفه الثاني في الوقت الإضافي (الدقيقة 100) لا يزال يثير الجدل حتى اليوم. اصطدمت الكرة بالعارضة وارتدت إلى الأرض، وبعد تشاور بين الحكم السويسري غوتفريد دينست ومساعده الأذربيجاني توفيق باخراموف، احتُسب “الهدف الشبح” وسط احتجاج ألماني. انتهت المباراة بفوز إنجلترا (4-2)، لترفع الكأس التي كادت أن تضيع، وتُسطر اسمها في سجلات الذهب المونديالية.
The post أسرار مونديال إنجلترا 1966: سرقة الكأس والهدف الشبح appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

