تحول مشهد تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في «الساعة الأخيرة» عن توجيه ضربة عسكرية لإيران إلى جزء روتيني من ديناميكية التفاوض تحت النار التي تحكم علاقة الطرفين. وبالتالي، فإن التساؤل الأبرز الذي يشغل المراقبين اليوم لا يتعلق بأسباب تراجع ترامب، بل بما سيحدث عندما تنتهي مهلة الأيام القليلة الممنوحة لرد طهران، وقبل أن تبدأ مهلة الـ 30 يوماً التي تقترحها مسودة الوساطة الباكستانية لنزع فتيل أزمة مضيق هرمز. تكشف المؤشرات الحالية أننا أمام اصطدام حتمي بين استراتيجيتين عسكريتين واقتصاديتين وصلتا إلى خط النهاية، حيث تُعد المهلة الباكستانية نافذة أمان مؤقتة تسابق الانفجار.

السياق التاريخي لصراع النفوذ في مضيق هرمز

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط. تاريخياً، استخدمت إيران التهديد بإغلاق المضيق كورقة ضغط سياسية وعسكرية في مواجهة العقوبات الغربية والتوترات مع الولايات المتحدة، بدءاً من «حرب الناقلات» في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى الأزمات المتكررة في العقدين الأخيرين. هذا الإرث التاريخي يجعل من أي تحرك في هذه المنطقة الحساسة بمثابة لعب بالنار، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية العالمية مع الحسابات الجيوسياسية المعقدة.

التحول الإيراني: من التهديد العسكري إلى السيادة الجبائية

يتمثل التحول الأبرز في السلوك الإيراني في الإعلان السريع لوزارة الخارجية عن آلية جديدة في المضيق بالتنسيق مع هيئات دولية متخصصة. طهران، التي تدرس الرد الأمريكي المنقول عبر إسلام آباد، تسعى لفرض أمر واقع ميداني قبل الجلوس إلى أي طاولة. هذه الآلية تعني انتقال إيران من التهديد التقليدي بإغلاق المضيق عسكرياً، إلى استراتيجية السيادة الجبائية والتحكم القانوني. تحاول طهران شرعنة فرض رسوم، أو تفتيش، أو قيود ملاحة كأداة ضغط اقتصادي مقنن يوازي سلاح العقوبات النفطية الأمريكية. الهدف الإيراني واضح: تجريد واشنطن من تفوقها العقابي المطلق عبر خنق شريان الطاقة العالمي بالقانون الدولي، لإجبار الأسواق والبيت الأبيض على القبول بمهلة الـ 30 يوماً دون شروط مسبقة.

موقف الرئيس ترامب وخيارات الضربة المؤجلة

في المقابل، يدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه اللعبة جيداً. لذا جاءت تصريحاته حاسمة وقاطعة: «الاتفاق أولاً ثم رفع العقوبات». ترفض واشنطن منح أي إعفاءات نفطية مسبقة، وتريد انتزاع التزام إيراني مكتوب ومبدئي في غضون أيام قليلة كشرط أساسي للسماح ببدء مفاوضات المسودة الباكستانية. إذا جاء الرد الإيراني مخيباً للشروط الأمريكية، فإن الخيار العسكري لن يكون حرباً شاملة، بل ضربات جراحية محدودة وموجهة، تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية أو خطوط الملاحة لكسر الآلية الجديدة قبل تثبيتها. أي تحرك عسكري أمريكي سيكون منضبطاً بدقة لعدم تفجير كامل المنطقة، مع الحفاظ على خطوط الرجعة الدبلوماسية.

التداعيات الإقليمية والدولية لأزمة مضيق هرمز

تحمل أزمة مضيق هرمز تداعيات واسعة النطاق تتجاوز حدود الدولتين. على الصعيد الإقليمي، تخشى العواصم الخليجية استهداف منشآتها في أي رد فعل إيراني عشوائي، مما يضع أمن الخليج العربي بأكمله على المحك. أما دولياً، فإن أي تصعيد عسكري أو إعاقة لحركة الملاحة سيؤدي فوراً إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع حاد في أسعار النفط، مما يهدد بتباطؤ الاقتصاد العالمي. هذا التأثير المباشر على الاقتصاد الدولي هو ما يدفع قوى كبرى مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي إلى مراقبة الوضع بقلق بالغ، ودعم جهود التهدئة.

كواليس المسار الباكستاني وسيناريوهات المستقبل

هنا يبرز مجدداً دور الوسيط الباكستاني الذي يتحرك بين عاصمتين مثقلتين بالشروط. إسلام آباد، بتقاطعها النووي وحدودها المشتركة وعلاقاتها العميقة مع الخليج وواشنطن، لا تقدم حلولاً سياسية عاطفية، بل تبحث عن ضمانات أمنية متبادلة لتأمين الـ 30 يوماً. ما يحدث خلف الكواليس الآن هو محاولة صياغة معادلة خفض تصعيد ميداني مؤقت، حيث تضغط باكستان لإقناع طهران بتأجيل تفعيل الآلية الجديدة، مقابل إقناع واشنطن بمنح إعفاءات نفطية محدودة جداً لشركات محددة طوال فترة المفاوضات.

بناءً على هذا التقاطع المعقد، تتجه الأزمة نحو قبول الطرفين بصيغة إعلان نوايا غامض، يتيح للرئيس ترامب الادعاء بأنه حصل على الإجابة الصحيحة، بينما يمنح إيران فرصة التقاط الأنفاس. لقد وصل الطرفان إلى نقطة إنهاك متبادل للأوراق التقليدية؛ فالولايات المتحدة استنفدت قدرة العقوبات على الإخضاع، وإيران استنفدت قدرة التهديد العسكري التقليدي على الردع. إما أن ينتج هذا الإنهاك مخرجاً دبلوماسياً اضطرارياً، أو صداماً لاختبار قدرة كل طرف على تحمل الضربات قبل العودة الحتمية إلى طاولة الوساطة الباكستانية بشروط أقل تعنتاً.

The post أزمة مضيق هرمز: هل تنجح الوساطة الباكستانية مع ترامب؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version