من سؤال يبدو مباشرًا في طرحه ولكنه عميق في أبعاده: «من نحن؟»، يفتتح الشاعر والكاتب المسرحي الدكتور صالح زمانان كتابه الجديد «أداء التاريخ واستدعاء الذات: خطاب الهُويّة في رؤية المملكة 2030 وتجلياته في المسرح السعودي المعاصر». يمثل هذا الكتاب، وهو النسخة المحدثة والمحررة والمزيدة من أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في فلسفة الدراما والنقد المسرحي مطلع عام 2026، مرجعًا نقديًا هامًا يختبر مفهوم الهوية الوطنية بعيدًا عن التعريفات الجاهزة والقوالب التقليدية، فاتحًا آفاقًا جديدة لفهم الفنون الأدائية في المملكة.

الجذور التاريخية والتحول الثقافي في المملكة

تاريخياً، مر المسرح في الجزيرة العربية بمراحل متعددة من التشكل والنمو، حيث كان يعتمد في بداياته على الجهود الفردية والأنشطة المدرسية والجامعية المحدودة. ومع إطلاق رؤية المملكة 2030، شهد القطاع الثقافي تحولاً جذرياً غير مسبوق تمثل في تأسيس وزارة الثقافة عام 2018 كجهة تنظيمية وداعمة للمبدعين. يوضح كتاب الدكتور صالح زمانان كيف انتقلت الهوية الوطنية من مجرد وثيقة رسمية إلى ممارسة حية داخل المؤسسات الثقافية، لتتجسد في النهاية عبر الجسد والصوت والضوء والزي على خشبة المسرح. هذا التحول يعكس الانتقال من مرحلة «حراسة الموروث» إلى مرحلة «البناء النشط» للهوية، حيث يُنظر إلى الماضي كمورد حيوي للمستقبل وليس مجرد سجل جامد.

مفهوم «التراَمز» وإعادة صياغة أدوات النقد المسرحي

يقدم الباحث في دراسته جهازاً إجرائياً مبتكراً يتجاوز النظريات النقدية التقليدية. وفي قلب هذا الجهاز، يجترح الدكتور زمانان مصطلح «التراَمز» كأداة لتحليل العناصر غير النصية في العرض المسرحي، مثل الأزياء، والسينوغرافيا، والموسيقى، والإضاءة. فبينما يركز مفهوم «التناص» على العلاقة بين النصوص المكتوبة، يلاحق «التراَمز» التفاعل الاقتباسي بين الرموز البصرية والسمعية والحركية المستوحاة من التراث المحلي (مثل زخارف الجبس، والغناء البحري القديم، والرقصات الشعبية) وإعادة تقديمها في قوالب معاصرة تنتج الهوية وتخاطب الوجدان الإنساني.

تأثير المسرح السعودي المعاصر محلياً ودولياً

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على الجانب النظري، بل تمتد لتشمل تحليلاً تطبيقياً لستة عروض مسرحية بارزة أُنتجت بين عامي 2016 و2025، وهي: «بحر»، «الهُود»، «طليعة هجر»، «ترحال»، «نقش»، و«غالية». تظهر هذه النماذج كيف استجاب المسرح السعودي المعاصر لتحولات الرؤية، محولاً التراث الإقليمي المتنوع للمملكة إلى قوة ناعمة قادرة على المنافسة عالمياً.

على الصعيد المحلي، يساهم هذا الحراك في تعزيز جودة الحياة وتوفير فرص عمل واعدة في قطاع الصناعات الإبداعية، تماشياً مع مستهدفات هيئة المسرح والفنون الأدائية التي تسعى لرفع مساهمة القطاع الثقافي إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن تقديم الألحان والأزياء والحكايات السعودية بأدوات أوركسترالية وعروض غامرة على مسارح باريس، ونيويورك، ولندن، وطوكيو، يمثل حواراً ثقافياً من موقع الندية والسيادة المعرفية، مما يعزز حضور المملكة كشبه قارة ثقافية ذات عمق حضاري فريد.

The post أداء التاريخ واستدعاء الذات: هوية المسرح السعودي المعاصر appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version