عام 1985 وجدت شركة إنتل Intel Corporation نفسها أمام مفترق طرق استراتيجي حاسم حيث كانت الشركة التي بنت مجدها على رقائق الذاكرة تواجه منافسة يابانية قوية تتفوق عليها في الجودة والتكلفة وفي المقابل كان سوق المعالجات الدقيقة ناشئا يلوح في الأفق لكنه كان مغامرة مجهولة وغير مضمونة النتائج.
انقسم كبار الإداريين داخل الشركة بين التمسك بالمسار التقليدي المألوف أو الانطلاق نحو مسار جديد غير مجرب وكان الجدل محتدما نتيجة التحيز للماضي والخوف من التغيير والارتباط العاطفي بما أنجبته الشركة عبر سنوات طويلة وهي عوامل كادت أن تقود إنتل إلى مسار تراجعي خطير.
حتى أن أندرو جروف الرئيس التنفيذي وجوردون مور مؤسس الشركة وجدا نفسيهما في حيرة حقيقية بين خيارين مصيريين أحدهما الاستمرار في نشاط فقد قدرته التنافسية والآخر القفز نحو مستقبل غير واضح المعالم.
لكن لحظة الحقيقة جاءت بسؤال بسيط وغير تقليدي وجهه جروف لمور:
” لو جاء مدير جديد ليحل محلنا ماذا سيفعل؟”
وكانت الإجابة واضحة وفورية سيتخلص من مشروع رقائق الذاكرة.
في تلك اللحظة تحرر القادة من قيود التحيز المؤسسي وارتدوا نظارة المدير الخارجي الموضوعي وأصبح القرار أكثر وضوحا رغم صعوبته وهو التخلي عن القلب التاريخي للشركة والتركيز الكامل على المعالجات الدقيقة الذي بدى أنه الخيار الوحيد للبقاء والنمو.
هذه القصة ليست مجرد حكاية من تاريخ التكنولوجيا بل تمثل درسا إداريا عميقا في التباعد الذهني أي القدرة على رؤية المشكلة من خارج الصندوق بل من خارج الشركة والنظر للسوق و قراءة مستقبله وهي لحظة التحرر من وهم الاستثمار العاطفي في مشاريع عفا عليها الزمن.
و هو ما فعلته نتفليكس Netflix عندما تخلت عن خدمة تأجير الأقراص وركزت على البث المباشر وكما فعلت آبل Apple عندما أوقفت آي بود iPod وركزت على الهاتف الذكي. كان على إنتل أن تموت كشركة رقائق ذاكرة لتعود أقوى كإمبراطورية للمعالجات.
القيادة الحقيقية لا تكمن فقط في صنع القرار الصائب بل في القدرة على إعادة تعريف المشكلة نفسها وأحيانا يحتاج القائد فقط إلى أن يسأل لو كان مكاني شخص لا يحمل تاريخي ولا تراثي ولا ألمي ماذا سيفعل.
الإجابة كما في حالة إنتل قد تكون البوابة الوحيدة نحو المستقبل ففي عالم الأعمال المتسارع قد يكون أكبر تهديد لأي شركة ليس المنافس الخارجي بل الوهم الداخلي بأن ما نجح بالأمس سينجح غداً .
المستشار فرحان حسن
X: https://twitter.com/farhan_939
e-mail: [email protected]











