يعدّ القاص محمد علي قُدس محظوظاً؛ زماناً ومكاناً وأدبياً إنساناً، فهو ابن أسرة مكيّة، وجده أحد علماء الحرم المكي، ووالده صاحب مكتبة ثريّة، ونال ثقة رواد الأدباء، فكتب القصة، وكان سكرتير مجلس إدارة أدبي جدة، والمُقرر له، زمن الأديب محمد حسن عواد، كما استمر أميناً للسرّ زمن الرائد عبدالفتاح أبومدين، وأعد برامج ثقافيّة للإذاعة والتلفزيون، وهو منذ أعوام شخصية ملتقى النص في دورته الثانية والعشرين؛ تكريماً لعطاء امتد إلى أكثر من نصف قرن، فإلى نص حوارنا معه..
• تهنئة على اختياركم شخصية مكرمة في ملتقى قراءة النصّ.. ما مشاعرك عندما علمت بخبر التكريم؟
•• أشكركم، هذا من فضل الله، جميل أن يُحاط المرء بوفاء وحب من عمل معهم، وهو يُلقي رحاله في نهاية مشواره، وأقول بصدق إنني فوجئت بتلقي خبر اختياري الشخصية المكرمة في ملتقى هذا العام، فلطالما شاركت في اختيار الشخصيات التي كرمها النادي في العقود الماضية، ولم يدر في خلدي أن أكون من بين المكرمين.
• ماذا تعني الولادة في مكة المكرمة لمثقف؟
•• لك أن تتصور من كانت ولادته قرب بيت الله الحرام، ونشأ في الرحاب الطاهرة، خصوصاً أني من بيت علم، وكان الجد أحد علماء المسجد الحرام، وممن اشتهروا بخدمة ضيوف الرحمن. لا تزال في ذاكرتي رائحة التراب الطاهر وحكايات أحداث وشخصيات نقلت تفاصيلها في قصصي وأعمالي الدرامية بوحي عبقرية المكان.
• هل انطلقت إلى الكتابة بوحي من نبوءة أو استشراف أو توجيه؟ وكيف كانت البداية مع الكتابة، والعلاقة بالثقافة؟
••عشقي للكتابة الإبداعية عشق قديم، استثمرت به ميولي المبكرة منذ أعوام الدراسة، إذ التحقت بجماعة الصحافة والإذاعة المدرسية، واكتشف موهبتي أستاذ اللغة العربية وهو أزهري من مصر، في بداية دراستي المتوسطة وأعجب أيما إعجاب بأسلوبي، في تلك الفترة نشرت أول مقال في جريدة المدينة عام 1385 هجرية، ونشرت لي أول قصة بعنوان «بائعة القطائف» في مجلة الإذاعة عام 1387هـ، وعلاقتي بالصحافة كانت مبكرة وتعاوني الجاد كان مع جريدة «عكاظ» في عهد رئاسة تحرير الصحفي القدير عبدالله خياط، والصحفي الأديب عبدالله الجفري رحمهما الله، وأول قصة لي في جريدة «عكاظ» عام 1389هـ، بعنوان «عم حمزة العسة»، وكان المسؤول عن الصفحة الأدبية الدكتور علي عمر جابر رحمه الله.
• لمن تدين بفضل تفتّح الوعي على القراءة الحرة ثم الكتابة؟
•• كان تعلقي بالقراءة قديماً، من خلال مكتبة الوالد، التي كانت تضم ما كان يصدره الشيخ محمد سرور الصبان من كتب، أذكر منها، المعرض، وشعراء الحجاز، ومن وحي الصحراء، وقصص خالتي كدرجان، وأيامي للرائد أحمد السباعي، وقصص أنات الساقية، وديوان شعر سوزان للشاعر السفير حسن القرشي، كانت هي حقاً نافذتي التي أغرتني على القراءة والحرص على اقتناء الكتب وقراءة الصحف والمجلات.
• ماذا عن تأسيس مجلة شلة الأنس؟ وما سر تمسكك بعالم الكتابة رغم دفع الثمن المبكّر؟
•• لصدور هذه المجلة التي صدر منها ثلاثة أعداد قصة، كانت بدافع هوس العمل الصحفي، وهي طبعت على آلة النسخ، وكتب في عنوانها أنها مجلة الشباب الأولى، لم أحسب حساب أن صدورها دون إذن سيعرضني للمساءلة ودفع ثمن غالٍ أنا ومن معي من فريق العمل، الذي لفت النظر إليها ما كتبه الأستاذ عبدالله جفري في الصفحة الأخيرة من جريدة «عكاظ» وإشادته بجرأتي، لفت النظر إليها، وكانت عقوبتي كف يدي عن الكتابة لمدة عام. الغريب أن فسح لي المجال للكتابة خلال فترة العقوبة الأستاذ عبدالله خياط فكنت أنشر مقالاتي في «عكاظ» تحت اسم «محمد علي رضا»، وفي الصفحة الأدبية من «عكاظ» تجد الكثير من المقالات التي نشرتها تحت ذلك التوقيع.
• متى كان أول لقاء جمعك برموز الأدب، محمد حسن عواد، حمزة شحاتة، أحمد السباعي؟ وماذا عن أبرز ما دار في تلك اللقاءات؟
•• في كتابي الذي صدر أخيراً «في صحبة عبقري حالم/أيامي مع العواد» ذكرت القصة كاملة حول بداية معرفتي بالأستاذ العواد وبالنادي الأدبي، وكان ذلك عام 1395هـ، وكان لي شرف حضور الاجتماع التاريخي لأدباء جدة لانتخاب أول مجلس إدارة للنادي، وحضره 22 أديباً وإعلامياً في كازينو كيلو عشرة ملتقى سامرات النخبة. التحقت بالنادي عام 1397هـ سكرتيراً للأستاذ العواد، وفي العام الذي يليه تم تشكيل مجلس إدارة جديد برئاسة الأستاذ العواد وعضوية، محمود عارف، حسن القرشي، دكتور حسن نصيف، شكيب الأموي، وأنا سكرتير المجلس والمقرر له.
• لماذا ابتعد أدباء كثر عن الانضمام لمجلس إدارة أدبي جدة؟
•• أحد أسباب ابتعاد الكثير من الأدباء الانضمام لمجلس الإدارة، تفادي الصدام والخلاف مع الأستاذ العواد، رغم محاولاته التواصل معهم وأخذ موافقتهم على انضمامهم معه، وأذكر منهم الأساتذة محمد حسن فقي، محمد علي مغربي، ومحمد حسين زيدان.
• هل عاصرت شيئاً من منافسة وصراع الأدباء؟
•• في الأعوام الأولى لتأسيس النادي، كان الأستاذ العواد على خلاف وفي معارك أدبية مع عدد من الأدباء منهم: عبدالعزيز الربيع، وعبدالقدوس الأنصاري، ومحمد حسين زيدان، في الخلاف على إمارة شعر شوقي ونقد بعض الدواوين الشعرية. الوحيدان اللذان اختلف معهما وظلا على تواصل معه وعلاقتهما به جيدة الشاعران محمد علي السنوسي، وحسن القرشي رحمهما الله.
• بماذا تعلّق على من يرى دورك امتداداً لأدوار أدباء الحجاز؟
•• أنا أعد من جيل ما بعد «جيل القنطرة» كما أسماه الدكتور منصور الحازمي وهو جيل الأساتذة عبدالله الجفري، عصام خوقير، عبدالحميد عنقاوي، محمد مليباري، لقمان يونس وغيرهم، وهو الجيل الذي جاء بعد جيل الكبار الرواد، أما جيل السبعينيات الميلادية، فهو جيل محمد علوان، حسين علي حسين، خيرية السقاف، فهد الخليوي، جبير المليحان وعبدالعزيز المشري وأنا منهم. ولكني كنت الأقرب من الرواد وما بعد الرواد؛ ولذا تم اختياري أميناً لسر نادي جدة الأدبي.
• لماذا اتجه هواك للقصة القصيرة؟ وكيف تلقى القارئ والنقاد مجموعتك القصصية «نقطة ضعف»؟
•• صدرت مجموعتي القصصية الأولى «نقطة الضعف» في ظروف حرب لبنان في بداية الثمانينيات الميلادية بطباعة سيئة، وفي ظروف قاسية، فكانت ولادتها بالفعل متعثرة، لم أكن راضياً عنها رغم أنها تضم النصوص الأولى للقصص التي نشرتها في صحف ومجلات المملكة، ولم يتم توزيعها بشكل جيد مما حال دون وصولها لأكبر عدد من المتلقين والنقاد، فهي نقطة ضعف بحق في بداياتي.
• رغم أن تخصصك إدارة أعمال وعملك في الطيران المدني، إلا أنك لم تفرّط في الإنتاج الأدبي والإذاعي؟
•• دخولي معهد الطيران بحماس مع الأصحاب، وكنا في مفترق طرق صعب واجهها كل شاب في حياته وهو على أبواب دراسته الجامعية، في الوقت الذي كانت تصارعني أحلامي الأدبية في الكتابة في عالم السرد، وهي أحلام لا تنتهي لا حباً ولا شغفاً، وكان أن حقق لي المسؤولون في هيئة الطيران ما يشبع هذا الشغف، فتوليت رئاسة تحرير مجلة الطيران، وكنت المسؤول عن الشؤون الإعلامية والنشر فيها.
• ألم تعش معاناة الحساد ممن يضعون الأشواك والصخور في الطرقات؟ وكيف تجاوزت الأذيّة؟
•• هذا لا شك فيه، لكني بعد اعتمادي على الله، تمثّلتُ مقولة «كن مع الله ولا تبالي»، واستطعت تجاوز الكثير من الصراعات والأزمات. كانت لدي فراسة قراءة الوجوه التي تعلمتها من أسلوبي في التقاط شخصيات قصصي بمعاشرة الناس في الأماكن العامة. فكان علي التعامل مع الآخرين بمعرفة مفاتيح شخصياتها التي تمكنني من قراءة نواياهم وما يفكرون فيه.
• تبدو علاقتكم بالفكر وطيدة، من أين بدأت حكاية إصدارك الأول ومضات في الفكر؟ أما خشيت أن تقتحم فضاءً شائكاً في زمن الرواد؟
•• كتابي الأول «ومضات في الفكر» تضمن أحاديثي الإذاعية الأولى ومقالاتي في الصفحات الأدبية التي كان لها صيتها ووهجها في بداية التسعينات الهجرية، في صحف «عكاظ»، المدينة، الندوة والرياض. ولو وضعناها في موضع مقارنة مع الكتابين الذين صدرا فيما بعد «المعاصرة بين الرؤية والكلمات» و«حوار الأسئلة الشائكة» لوجدت فيهما اختلافاً كثيراً من حيث الرؤية والقراءة الأكثر وعياً وبعداً في سبر أغوار المعاني والدلالات.
• ما الذي تحتفظ به من مخاض تأسيس أدبي جدة؟
•• أشرت في إجابة سابقة أني كنت محظوظاً بمشاركتي في أول انتخابات أدبية تحدث في المملكة الذي اجتمع فيه أدباء جدة وعلى رأسهم الأمير عبدالله الفيصل وصاحبا الدعوة، وهما من حصلا على الإذن الرسمي بتأسيس أول نادٍ أدبي في المملكة الأستاذان محمد حسن عواد وعزيز ضياء، وبعد انتخاب أول مجلس، كنت محظوظاً أيضاً فكنت ثاني عضو في الجمعية العمومية.
• بماذا تصف الحراك الأدبي والثقافي في تلك الفترة؟
•• كان حراكاً غير عادي، خصوصاً في الثمانينيات الميلادية، لم تكن الأعوام الأولى لتأسيس النادي في زمن الأستاذ العواد حافلة بالصراعات، فهي فترة تأسيس وتعريف بكيانات ثقافية ومنابر أدبية مختلفة، وأعتبر تلك الفترة بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة، إذ في الفترة الثانية وكانت برئاسة عبدالفتاح أبومدين وكان فيها الصراع قائماً ومحتدماً بين فريقي أنصار الحداثة ومعارضيهم من التقليديين. وهو صراع كان ينتقل من منبر النادي للصفحات الأدبية وملحق الأدب في الصحف، وكانا أيضاً فريقين أحدهما مع التجديد والآخر مع التأصيل، وأؤكد أنه في تلك الفترة من على منبر النادي تغير وجه الثقافة.
• كيف نجحتم في نزع فتيل ضائقة ممانعة تكريم الشاعر محمد الثبيتي لفوزه بجائزة الإبداع؟
•• ما حدث في «الليلة التي أهدر فيها دم الثبيتي»، كان النادي أعد ليلة لتكريم الشاعر الثبيتي -رحمه الله- بعد فوز ديوانه «التضاريس» الذي أصدره النادي بجائزة الإبداع، وفي عصر ذلك اليوم كان بعض من المتطرفين في المساجد القريبة من النادي يحرّضون على مهاجمة النادي والحيلولة دون تكريم شاعر فاسق. وكانوا جميعهم ممن جاء متأبطاً الشر له وللقائمين على النادي، فكان أن اجتمعنا بشكل سريع ضم الاجتماع (رئيس النادي أبومدين والأعضاء عبدالمحسن القحطاني وسعيد السريحي وأنا)، وكان القرار أن يتم في هدوء استبدال لوحة التكريم بلوحة أخرى محاضرة للدكتور مصطفى ناصف، وكانت له محاضرة قادمة، وأسقط في يد المتطرفين وأخذوا يغادرون القاعة مخذولين، في الوقت الذي تم فيه تهريب الشاعر الثبيتي من الأبواب الخلفية للنادي.
• كيف ترى حجم العرفان لمحمد حسن عواد باعتباره رائد التجديد في المملكة؟ وهل كان العمل مع الراحل عبدالفتاح أبو مدين مشجياً أم مُشقياً؟
•• سئلت كثيراً كيف استطعت التعامل والعمل مع الأستاذ العواد، إذ كان الكثير يتجنب العمل معه، خصوصاً أنه مشهور بفرض رأيه، ويصعب عليه تقبل رأي الآخرين، وعرفت مفاتيح شخصيته رحمه الله، وشخصية الأستاذ أبومدين من بعده، وكان أشد صرامة وحزماً، ومفتاح شخصية العواد الإنصات إليه جيداً وعدم معارضته في حينها، ومن ثم يمكنك إقناعه بحيلة أخرى لا تقلل من قيمته بل تزيد القناعة برأيه الصائب، أما الأستاذ أبومدين فهو رجل عملي، إذا رأيت أنه لا يقبل برأيك فسق إليه آراء آخرين يثق بهم ويميل للتعامل معهم وأخذ مشورتهم.
• ما الجديد الذي تعمل عليه اليوم، أو تستعد لنشره؟
•• بعد كتابي «في صحبة عبقري حالم/أيام مع العواد» أعكف على إنهاء كتابي الجديد القادم «ما جاء في الأحاديث خلف الكواليس» من أوراق مذكراتي في النادي الأدبي. كما أجهز مجموعة «مواسم النزوع للجذور» المختار من مجموعاتي القصصية الست.











