لم يكتف الدكتور محمد آل زلفة بصولاته وجولاته السابقة في قضايا المجتمع بعد أن كان واحداً من أهمّ الأسماء السعودية حضوراً في المشهد الثقافي والاجتماعي في السنوات الماضية.
كان هناك من يظنّ أن آل زلفة سيتوقف بعد الصخب الذي أطفأته رؤية المملكة 2030، لكنه من خلال منصة (X) أثار بآرائه وتعليقاته العديد من التساؤلات حول التاريخ ومراكز الأبحاث وعن تاريخ منطقة عسير وعن التاريخ الشفاهي الذي بات ضرورة كما يرى بعد إهمالنا لتاريخنا المكتوب.
أخذنا الدكتور آل زلفة في هذه المساحة إلى التاريخ الذي تخصص فيه، لنحاوره في أمور تاريخيّة تثار هنا وهناك. فإلى نصّ الحوار:
• لماذا التاريخ الشفهي ضرورة حتمية؟
•• لأننا أهملنا الاهتمام بتاريخنا المكتوب ممثلاً في الوثائق والمخطوطات، فلعل جمع ما بقي في صدور الكبار ممن عاصروا أحداثاً لم توثقها المصادر المكتوبة أو أنها وثقتها وضاعت أو أهملت أو ضنّ بها من يملكها وما أكثرهم يسد ثغرات مما يتطلبه المؤرخ.
• المراكز البحثية المتخصصة في جوانب الحياة المختلفة، كيف تراها اليوم؟
•• المراكز البحثية وجودها ضرورة حتمية، وبكل أسف ما أقلها في بلادنا، وهذا أمر يجب أن يتدارك من قبل صانعي القرار؛ لأننا لا نستطيع صناعة القرار الصائب إذا لم يكن مبنياً على معلومة صحيحة، التي تزودنا بالمعلومة الصحيحة هي مراكز البحوث.
المملكة العربية السعودية دولة فاعلة ومؤثرة في محيطها العربي والإسلامي والعالمي ويتطلب منها بل يجب عليها أن تكون لديها مراكز بحثية متعددة متخصصة في الشأن السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية والتاريخية وظروف وأحوال كل بلد تتعامل معه.
هذه المراكز قد تكون تابعة للجامعات، إذ تتوفر فيها كل الكفاءات المتخصصة، وقد تكون مراكز أبحاث مستقلة متخصصة في قضايا وميادين محددة تخصص لها ميزانياتها المستقلة.
الخلاصة أن أيّ دولة مهمة ولها دورها المؤثر مثل المملكة لا تستغني بل يفرض عليها الواجب من منطلق مسؤولياتها أن يكون لديها العديد من مراكز الأبحاث.
• لديك تحفّظ على ما كتبه الدكتور محمد حاوي في كتابه الصادر أخيراً حول حرق الكتب والمخطوطات في منطقة عسير. فما الذي شهدته بنفسك في مخطوطات مسجد المسقي؟ وما الأسباب التي دفعت إلى إحراقها؟
•• تحفظي على ما قاله الدكتور محمد حاوي في كتابه الصادر حديثاً يتعلق بإنكاره ما ذكرته وأكرره أن كثيراً من المخطوطات في منطقة عسير تعرّضت للحرق المتعمد من قبل فئات متشددة، وآخرها ما تعرّضت له مخطوطات كانت مودعة في مسجد المسقي.
هذا المسجد على مدى قرون يعدّ من أقدم المساجد، وبسبب آراء المتشددين هدم هذا المسجد التاريخيّ وأحرقت مخطوطاته، وكنت شاهد عيان على آخر مشهد من تنفيذ هذا العمل المشين.
تمكنت من الحصول على بعض أوراق متناثرة من تلك المخطوطات التي كانت آخر حملة في طريقها إلى المحرقة للدلالة على هذا الفعل المشين. احتفظت بهذه الأوراق ووعدت بإعادة أصولها إلى مكتبة المسجد كما أعدت لوحة التأسيس التي أنقذتها من أن تحرق مع المخطوطات، وقد سلّمتُ لأهل المسقي لوحة التأسيس في احتفال أهلي جميل.
هذا المسجد أُعيد بناؤه على ما كان عليه ضمن المشروع الرائد الذي تبناه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في ترميم وإعادة بناء المساجد التاريخية القديمة.
• أنت ترى أنّ الشيخ العلامة أحمد الحفظي لم يحظ باهتمام الباحثين بل وصفت ما كُتِب عنه بالسطحي… ما القيمة التي يحملها الحفظي ولم يتنبه لها الباحثون؟
•• نعم، الشيخ أحمد بن عبد الخالق الحفظي يمثل آخر أعظم حلقة من سلسلة علماء آل الحفظي، فقد كان مفتي عسير إبّان قوتها كدولة وقاضيها وشاعرها ومستشار حكامها، ولهذه المكانة المتميزة لهذا الرجل في إمارة أو دولة تحدّت الوجود العثماني في الحجاز وفي اليمن لأكثر من أربعة عقود، وعندما أسقطت الدولة العثمانية هذه الدولة العربية في عام ١٨٧١ ميلادية ودمرت عاصمتها وحصونها وقلاعها وقتلت أميرها وكثيراً من قادتها وأسرت ٦٠٠ من شبابها دون سن الثلاثين ورمت بهم بعد تدريبهم على جبهات قتالها مع صربيا وروسيا ولم يعرف عن مصيرهم إلى اليوم، ربما يقوم أحد الباحثين في المستقبل بالبحث في السجلات التركية عن مصيرهم وذلك حينما يتقدم البحث العلمي لدينا فكل شيء ممكن !
لقد قبضت سلطة الحملة العسكرية على أكثر من 20 زعيماً عسيرياً من زعماء القبائل وفي معيتهم الشيخ أحمد بن عبد الخالق الحفظي. أسرتهم وأمرت بنفيهم إلى إستانبول ومن ثم إلى يانية في ألبانيا. وكان تبرير النفي أنّهم يشكلون خطراً على أمن الدولة العثمانية !
لقد كان الشيخ أحمد الحفظي لسان وشاعر وخطيب ومؤرخ المنفيين في معاناة منفاهم ومعلم أبناء عوائلهم (وعددهم خمسون) من غير أبناء من تزوج من المنفيين ومنهم الحفظي نفسه.
تفرغ الشيخ الحفظي للتدريس والتأليف وتفسير القرآن وقول الشعر، ولو جمع ما قال من شعر في منفاه الذي دام سبع سنوات لكوّن ديواناً كبيراً من القطع الكبير، ولهذا أقول إنّ هذا العالم الجهبذ لو كان عند غيرنا لعُملت عنه العديد من الدراسات.
عاصر الحفظي في منفاه سنوات الغليان في الدولة العثمانية بين المتشددين والإصلاحيين المطالبين بالإصلاح والدستور بزعامة مدحت باشا الإصلاحي التركي الكبير، ولم يفوّت الحفظي وهو العالم الشرعي الدخول في معمعة النقاش بكتابة رسالته ذائعة الصيت بعنوان «السياسة الشرعية في ما يجب على الراعي والرعية» بيّن فيها من القرآن والسنة أنّ الدستور في الاسلام يعني الشورى؛ وكأنه بهذا يساند الإصلاحيين.
شاعت رسالة الحفظي ووجد فيها مدحت باشا وكان يشغل وظيفة الصدر الأعظم أي رئيس الوزراء بغيته، فكرّم الحفظي وكان سبباً في إطلاق كلّ المنفيين بمن فيهم الزعيم راكان بن حثلين.
شارك الحفظي أثناء أسره في تشجيع المحاربين العثمانيين ضد روسيا وثوار الصرب، وديوان شعره هو الوحيد الذي طبع من أعماله في تركيا أما بقيّة أعماله فقد أهديت مخطوطة إلى مكتبة السلطان عبد الحميد في قصر يلدز.
منح الحفظي العديد من الإجازات العلمية إلى كبار رجال الدولة منهم جودت باشا وزير العدلية ووزير المعارف. عاد الحفظي إلى بلاده مفتياً لعسير واليمن، توفي رحمه الله عام ١٣١٧هـ.
• هل وجود أسرة علمية كبيرة وبارزة في منطقة عسير كأسرة آل الحفظي ينفي عن عسير وجود علماء آخرين سبقوهم في المنطقة إلى هذه الميزة والمكانة؟
•• مما هو معروف من خلال ما لدينا من مخطوطات لا تعرف أسرة علمية في منطقة عسير قبل أسرة الحفظي، ولم تعرف أسرة علمية بعد ذلك بنفس مكانة أسرة الحفظي، ربما يوجد ولكن لم تصل إلينا أعمالهم ربما تكون من ضمن ما أُحرق والله أعلم.
مع قيام الدولة السعودية الأولى وبلوغ نفوذها في المنطقة بدأت تظهر بواكير بعض العلماء من غير أسرة الحفظي، ولكن ظلت الأخيرة هي المتسيدة والمناصرة القوية للدولة، ومفاهيم الدعوة الإصلاحية.
• هناك من يلحظ وجود قطيعة معرفية بين أساتذة التاريخ في منطقة عسير وصلت في كثير من المناسبات إلى التجاهل وربما الإقصاء، إلامَ تعيد هذا؟
•• لا أعرف ذلك، ما أعرفه أنّ المؤرخين في عسير قلة، فعلام يختلفون؟!
إلا إذا كانت هناك أهواء تمليها نزعات قبلية أو عائلية أو مناطقية. فمن كان هذا نهجه فليس مؤرخاً وويلٌ للتاريخ منه.
• لدينا مركز للتاريخ في المنطقة وجمعية للمؤرخين أيضاً.. ماذا قدمت لتاريخ منطقة عسير؟ وما المنتظر منها؟
•• لدى جامعة الملك خالد مركز باسم مركز تاريخ عسير ولكنه اسم بلا جسم وبلا ميزانية معتمدة له من الجامعة ولا من المانحين، وذلك كما قيل لي، وبكلّ أسف أسمع بأسماء مراكز مشابهة في بعض الجامعات ولكن لا نرى لها أثراً في الواقع.
جمعية التاريخ السعودية من أضعف الجمعيات بينما الواجب أن تكون من أقواها، لأنّها معنية بتاريخ وطن وأمة. لا المركز ولا الجمعية قدما شيئاً يذكر لتاريخ عسير!
• أحلت سائلاً وجّه إليك سؤالاً عن تاريخ عسير وما دار حوله من لغط في شبكات التواصل الاجتماعي إلى أكاديمي غير متخصص في التاريخ ومهتم آخر بالكتابة في تاريخ المنطقة، لماذا كاتب متخصص مثلك يُعدّ من أوائل من كتب في تاريخ المنطقة لا يجيب هذا السائل بما يعلم؟
•• السؤال كان عن فترة تاريخية سابقة على فترة تخصصي وهو تاريخ الجزيرة العربية منذ ٣٠٠ سنة إلى الآن، وهي الفترة التي توحدت فيها الجزيرة العربية على يد الدولة السعودية الأولى منذ انتقال الخلافة الإسلامية منها إلى خارجها.
في العصور السابقة لم يكن هناك ذكر لمنطقة عسير يبيّن أحوالها السياسية، وفي الغالب الأهم أنّ كلّ قبيلة فيها (وما أكثر قبائلها) تحكم نفسها بنفسها ضمن حدودها القبلية.
في ظل هذه الظروف وعدم المعرفة الحقيقية لأحوال المنطقة ظهر من يحاول استغلال هذا الفراغ المعرفي ليملأه بما تريده الأهواء، وأنّ المنطقة كانت فيها حكومة مركزية تدير شؤونها تحت حكم أمير جاء إليها هارباً من خارجها، وتحدّث في هذا الأمر كلّ من لا يملك المعلومة والأدوات التاريخية للتحقق منها. وهذا ما جعلني أحيل السائل إلى من خاض في هذا الأمر، فربما لديه الجواب!
• تعمل في مركز آل زلفة الثقافي والحضاري على إقامة معرض للخرائط التاريخية للمملكة وبقية أجزاء الجزيرة العربية في يوم التأسيس. حدثنا عن هذا المعرض.
•• مركز آل زلفة يعتبر من أهم المراكز التاريخية على مستوى المملكة، فقد ساهم مع دار بلاد العرب للنشر في نشر أكثر من 60 كتاباً، جلّها في التاريخ.
عملت الكثير، وما زلت أعمل.
في كل مناسبة وطنية يسهم المركز بنشاط، ومن ضمن ذلك عزمه على إقامة معرض للخرائط التاريخية للجزيرة العربية بمناسبة يوم التأسيس.
نشكو في المركز من عدم وجود رعاة وعدم دعم للقيام بنشاطات ومنها معرض الخرائط على مستوى المملكة؛ لأن إقامته ستكون مكلفة، وعلى الله نتكل.
• ألا يغضبك أنّ الكلّ صار يكتب في التاريخ ويتحدث عنه؟
•• التاريخ يلامس مشاعر الكثيرين من الناس ويحبون أن يتكلموا فيه ويستخدموه للمفاخرة حتى إن كانت مصطنعة. هذا النوع من الناس كثر وأصبحت المنافذ أو المنابر كثيرة ليقولوا أو يتلقوا ما يحلو لهم. إذا كان هناك من غضب فهو على من يدّعي علماً بالتاريخ ويغالطه ويتّخذ له منبراً يهرف فيه بكل ما لا يعرف ويضلّل بذلك الناس.
أكثر تاريخ يتعرّض للدّجل والدّس والكذب هو تاريخنا من قبل المرتزقة من الإعلاميين والسياسيين المؤدلجين، وكلهم من العرب الذين أمّنت لهم جهات مغرضة لبلادنا قنوات ومواقع لا همّ لها إلاّ الحديث زوراً في تاريخ المملكة ويصدقهم سذج العرب أو تصادف تلك الأكاذيب هوى في بعض النفوس.
نحن المؤرخين السعوديين أسهمنا بالتقصير في الحديث بشجاعة وبموضوعية علمية في التعريف بتاريخنا المجيد على جميع المستويات من ندوات ومؤتمرات وحلقات النقاشات. نحن مقلّون في عقد الندوات والمؤتمرات عن تاريخنا الوطني وإن فعلنا فعلى استحياء وبخوف من الرقيب الذي لا يفهم في التاريخ.
الزيف والكذب وتزوير التاريخ تدمغه الحقائق ولا غير الحقائق، وعلينا أن نكون شجعاناً في قول الحقائق وإبرازها.












