ألّفت الدكتورة آنا ليمبكي، أستاذة الطب النفسي ومديرة برنامج طب الإدمان في جامعة ستانفورد، كتاب «أمة الدوبامين ـ إيجاد التوازن في عصر الانغماس»، وتُعد من المتخصصين عالميًا في علاج الإدمان والإدمان السلوكي. نشرت أكثر من 100 بحث علمي محكم في مجال الطب النفسي وطب الإدمان، وأسهمت في تطوير برامج علاجية في هذا التخصص، «المصدر: جامعة ستانفورد، وجوجل كتب، 2021». وعندما صدر الكتاب، عام 2021، لم يكن مجرد إصدار جديد في مجال الطب النفسي وعلم السلوك، بل تحول إلى أحد الكتب العالمية المؤثرة في تفسير علاقة الإنسان الحديثة بالمتعة والإدمان والسعادة، واستقطب اهتمام المختصين ووسائل الإعلام والقراء في مختلف دول العالم، «المصدرـ دار بنغوين للنشر، 2021م».

وحقق الكتاب نجاحًا عالميًا، إذ دخل قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفة نيويورك تايمز، كما أدرج ضمن الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، وتجاوزت مبيعاته مليون نسخة، إلى جانب ترجمته إلى العديد من اللغات، ليصبح أحد الكتب التي ناقشت تأثير الحياة الرقمية الحديثة على الدماغ والسلوك الإنساني، «المصدرـ دار هيدلاين للنشر البريطانية، 2021».

ويطرح الكتاب فكرة محورية أن الإنسان المعاصر لم يعد يعاني من ندرة المتعة، بل من وفرتها المفرطة، وأن سهولة الوصول إلى المحفزات اليومية، مثل الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، والتسوق الرقمي، والطعام عالي المعالجة، أدت إلى اختلال نظام المكافأة في الدماغ، فأصبح الإنسان يطارد المتعة باستمرار، بينما تتراجع قدرته على الشعور بالرضا والاستقرار النفسي، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات القلق والإدمان والاكتئاب في العصر الحديث، «المصدر: دار بنغوين للنشر، 2021».

يكشف كتاب «أمة الدوبامين» أن الدماغ البشري يعمل وفق نظام دقيق للمكافأة، وأن مادة الدوبامين ليست مسؤولة عن السعادة بقدر ما ترتبط بالدافع والرغبة وتوقع المكافأة، ولذلك فإن الإفراط في الحصول على المتعة السريعة يجعل الدماغ أقل استجابة للمحفزات الطبيعية مع مرور الوقت، فيبحث الإنسان عن جرعات أكبر لتحقيق الإحساس نفسه، «المصدرـ كتاب «أمة الدوبامين»، آنا ليمبكي، 2021».

وتؤكد المؤلفة أن العالم المعاصر يختلف جذريًا عن أي مرحلة تاريخية سابقة؛ فالإنسان اليوم يعيش وسط وفرة غير مسبوقة من المحفزات، بدءًا من الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، ومنصات البث المرئي، وصولًا إلى التسوق الإلكتروني والطعام عالي المعالجة، وهي جميعها تقدم مكافآت فورية ومتكررة تستثير مراكز المكافأة في الدماغ على مدار الساعة، بما يعني أن الشعور بالسعادة لم يعد أمراً سهلاً، رغم وفرة المحفزات والمتعة.

وتشير بيانات دولية إلى أن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تجاوز 5.3 مليار مستخدم حول العالم، وهو ما يعادل أكثر من 64 % من سكان العالم، بينما يبلغ متوسط الاستخدام اليومي نحو ساعتين و21 دقيقة للفرد، «المصدرـ التقرير العالمي الرقمي الصادر عن «داتا ريبورتال»، 2025».

أما استخدام الإنترنت عالميًا فقد تجاوز متوسطه 6 ساعات و38 دقيقة يوميًا للفرد، وهو ما يعني أن الإنسان يقضي ما يقارب ثلث ساعات يقظته متصلًا بالعالم الرقمي، الأمر الذي يضاعف تعرض الدماغ للمحفزات السريعة والمتتابعة، «المصدرـ التقرير العالمي الرقمي الصادر عن «داتا ريبورتال»، 2025».

وتوضح المؤلفة أن المشكلة لا تكمن في وجود المتعة، وإنما في غياب التوازن، فكل ارتفاع سريع في مستوى المتعة يعقبه انخفاض طبيعي في نشاط الدماغ، وهو ما يجعل الإنسان يشعر بالخمول أو الضيق أو الفراغ بعد انتهاء المؤثر، فيعود للبحث عن محفز جديد، لتبدأ دائرة متكررة قد تتحول مع الوقت إلى نمط إدماني يصعب التخلص منه، «المصدرـ كتاب «أمة الدوبامين»، آنا ليمبكي، 2021».

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن ما يقارب 970 مليون شخص حول العالم كانوا يعيشون مع أحد الاضطرابات النفسية قبل منتصف العقد الحالي، ويعد القلق والاكتئاب من أكثر هذه الاضطرابات انتشارًا، مع تزايد الحاجة إلى الوقاية وتعزيز الصحة النفسية في البيئات الرقمية الحديثة، «المصدرـ منظمة الصحة العالمية، تقرير الصحة النفسية العالمي».

وترى الكاتبة أن العودة إلى الأنشطة الطبيعية، مثل ممارسة الرياضة، والمشي، والقراءة، والعمل التطوعي، وبناء العلاقات الاجتماعية المباشرة، تمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه تدريجيًا، لأن هذه الأنشطة تعتمد على مكافآت تتطلب جهدًا وصبرًا، وليست مكافآت فورية كما هو الحال في البيئة الرقمية، «المصدرـ كتاب «أمة الدوبامين»، آنا ليمبكي، 2021»، وهو ما يجعلنا نهتم كثيراً بالرياضة والأنشطة التحفيزية في الأحياء والمدارس والجامعات وغيرها، كالمسابقات المهارية والفنية والرياضية والثقافية.

وتخلص المؤلفة إلى أن التحدي الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لم يعد الحصول على المتعة، بل القدرة على إدارتها بحكمة، لأن الإنسان الذي يعجز عن ضبط رغباته اليومية قد يجد نفسه أسيرًا لمحفزات لا تنتهي، بينما يبقى الاتزان وضبط النفس وتأجيل الإشباع من أهم المهارات التي يحتاجها الفرد للحفاظ على صحته النفسية وجودة حياته في المستقبل، ولا يقف تأثير ما يطرحه الكتاب عند الجانب الفردي، بل يمتد إلى الأسرة والمدرسة وسوق العمل والاقتصاد، فالإنسان الذي يعتاد المكافآت الفورية يصبح أقل قدرة على الصبر، وأضعف تحملًا للضغوط، وأكثر ميلًا إلى ترك المهام التي تتطلب جهدًا طويلًا. وقد أشارت دراسات في علم الأعصاب إلى أن التعرض المستمر للمحفزات الرقمية السريعة قد يؤثر في القدرة على التركيز والانتباه لدى بعض الفئات، خاصة عند الإفراط في الاستخدام، «المصدرـ الجمعية الأمريكية لعلم النفس، وتقارير علم الأعصاب الإدراكي».

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب والقلق يؤديان إلى فقدان ما يقارب 12 مليار يوم عمل سنويًا حول العالم، وتقدر الخسائر الاقتصادية الناتجة عن ذلك بنحو تريليون دولار أمريكي كل عام بسبب انخفاض الإنتاجية، «المصدرـ منظمة الصحة العالمية، بيان الصحة النفسية والعمل، 2022».

كما توضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تراجع الصحة النفسية أصبح من أبرز العوامل المؤثرة في الإنتاجية والابتكار وجودة الحياة في الدول المتقدمة، مما دفع العديد من الحكومات إلى إدراج الصحة النفسية ضمن أولوياتها التنموية.

ويستعرض الكتاب نماذج لمرضى تمكنوا من استعادة حياتهم بعد الابتعاد المؤقت عن مصادر التحفيز المفرط، حيث تؤكد المؤلفة أن الدماغ يمتلك قدرة كبيرة على إعادة التوازن إذا أُتيحت له الفرصة، وأن تقليل التعرض للمحفزات يمنح مراكز المكافأة وقتًا لاستعادة حساسيتها الطبيعية، ومن أهم الرسائل التي يقدمها الكتاب أن الشعور ببعض الملل ليس أمرًا سلبيًا، بل ضرورة بيولوجية تسمح للدماغ بإعادة تنظيم نفسه، فالإبداع والتأمل والتفكير العميق غالبًا ما يولد في لحظات الهدوء، وليس أثناء التدفق المستمر للمقاطع القصيرة والإشعارات والتنبيهات.

وفي المقابل، بدأت شركات التقنية نفسها في تطوير أدوات تساعد المستخدمين على إدارة وقتهم الرقمي، مثل معرفة مدة استخدام التطبيقات، وإيقاف الإشعارات، وتحديد فترات للابتعاد عن الشاشة، وهو اعتراف ضمني بأن الإفراط في الاستخدام أصبح قضية صحية وسلوكية تستحق المعالجة. ويخلص الكتاب إلى أن السعادة الحقيقية لا تتحقق بتراكم المتع السريعة، وإنما ببناء حياة متوازنة تجمع بين العمل والراحة، وبين الإنجاز والاستمتاع، وبين الانضباط والحرية، فالإنسان الذي يتعلم تأجيل الإشباع، وضبط رغباته، وإدارة وقته، يصبح أكثر قدرة على الاستقرار النفسي، وأكثر إنتاجية، وأقرب إلى الرضا طويل الأمد.

لقد نجحت البروفيسورة آنا ليمبكي في تقديم عمل علمي يجمع بين الطب النفسي وعلم الأعصاب والتجارب الإنسانية، بلغة مبسطة ورسالة عميقة، جعلت من «أمة الدوبامين» أحد الكتب التي تساعد على فهم الإنسان في العصر الرقمي، وتدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بالتقنية والمتعة والاستهلاك، قبل أن تتحول وسائل الراحة التي ابتكرناها إلى وسائل تستنزف عقولنا وصحتنا النفسية.

ولا تقتصر أهمية كتاب «أمة الدوبامين» على الجانب النظري، بل تتوافق أفكاره مع أرقام عالمية مقلقة تكشف حجم التحول الذي يعيشه الإنسان في العصر الرقمي، فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في العالم أكثر من 5.6 مليار شخص، أي ما يعادل نحو 68 % من سكان العالم، بينما تجاوز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 5.3 مليارات مستخدم، ويقضي الفرد عالميًا في المتوسط 6 ساعات و38 دقيقة يوميًا على الإنترنت، منها ساعتان و21 دقيقة على منصات التواصل الاجتماعي، أي ما يزيد على 850 ساعة سنويًا في شبكات التواصل وحدها، «المصدر: التقرير الرقمي العالمي «داتا ريبورتال»، 2025». وتشير دراسات سلوكية إلى أن مستخدم الهاتف الذكي يلمس شاشة هاتفه ما بين 2,600 و5,400 مرة يوميًا بحسب كثافة الاستخدام، بينما يتجاوز هذا الرقم 10,000 لمستخدمي الهواتف الأكثر إدمانًا، «المصدرـ شركة دي سكاوت الأمريكية لدراسات تجربة المستخدم».

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 970 مليون شخص حول العالم يعانون أحد الاضطرابات النفسية، فيما يُعد القلق والاكتئاب الأكثر انتشارًا، ويؤديان إلى خسارة نحو 12 مليار يوم عمل سنويًا، بتكلفة اقتصادية تقدر بحوالي تريليون دولار أمريكي كل عام نتيجة انخفاض الإنتاجية، «المصدرـ منظمة الصحة العالمية – تقرير الصحة النفسية والعمل».

كما تشير الإحصاءات إلى أن سوق ألعاب الفيديو تجاوزت إيراداته 184 مليار دولار سنويًا، في حين تجاوزت إيرادات خدمات البث الرقمي ومنصات الفيديو مئات المليارات من الدولارات، وهي صناعات تعتمد بدرجة كبيرة على جذب انتباه المستخدم لأطول فترة ممكنة من خلال التحفيز المستمر لمراكز المكافأة في الدماغ، «المصدر: شركة نيوزو لأبحاث الألعاب، وتقارير شركة ستاتيستا».

ويؤكد كتاب «أمة الدوبامين» أن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تعكس تحولًا عميقًا في سلوك الإنسان؛ فكل دقيقة إضافية يقضيها الفرد في ملاحقة المتعة السريعة تزيد من احتمالية اعتياد الدماغ عليها، مما يدفعه إلى البحث عن محفزات أقوى وأسرع، وهي الحلقة التي تصفها الدكتورة آنا ليمبكي بأنها أخطر تحديات الصحة النفسية في العصر الحديث. وتعزز الأرقام العالمية ما ذهب إليه كتاب «أمة الدوبامين»؛ إذ تشير البيانات إلى أن عدد مستخدمي الهواتف المحمولة في العالم بلغ نحو 5.8 مليار مستخدم، أي ما يزيد على 70 % من سكان العالم، فيما تمثل الهواتف الذكية نحو 87 % من إجمالي الأجهزة المحمولة المستخدمة عالميًا،«المصدر: التقرير الرقمي العالمي، داتا ريبورتال، 2025».

كما يستخدم الإنترنت اليوم أكثر من 5.64 مليار شخص، ويبلغ عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي 5.31 مليار مستخدم، وهو ما يعني أن ما يقارب ثلثي سكان العالم يتعرضون يوميًا لفيض هائل من الرسائل والإشعارات والمقاطع القصيرة والمحفزات الرقمية التي يتحدث عنها الكتاب، «المصدرـ التقرير الرقمي العالمي، داتا ريبورتال، 2025».

وتشير بيانات شركات أبحاث التطبيقات إلى أن مستخدمي الهواتف الذكية حول العالم يقضون مجتمعين ما يقارب 50 مليون سنة بشرية كل شهر في استخدام تطبيقات الهواتف، وهو رقم يعكس التحول الكبير في نمط الحياة الرقمية واعتماد الإنسان المتزايد على التطبيقات الذكية، «المصدرـ التقرير الرقمي العالمي، داتا ريبورتال، 2025».

ومن الجانب الاقتصادي، لم تعد صناعة جذب الانتباه مجرد نشاط تقني، بل أصبحت واحدة من أكبر الصناعات في العالم؛ إذ تحقق شركات التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، ومنصات البث، والإعلانات الرقمية مئات المليارات من الدولارات سنويًا، ويعتمد نموذجها الاقتصادي على زيادة مدة بقاء المستخدم أمام الشاشة وتحفيزه للعودة مرات متكررة خلال اليوم، وهو ما ينسجم مع تفسير كتاب «أمة الدوبامين» لدور نظام المكافأة في الدماغ، «المصدرـ التقرير الرقمي العالمي، داتا ريبورتال، 2025، وتقارير الشركات التقنية السنوية».

ولهذا يحذر الكتاب من أن أخطر أشكال الإدمان في العصر الحديث قد لا تكون مرتبطة بمادة مخدرة، بل بسلوك يومي يمارسه الإنسان عشرات أو مئات المرات دون أن يشعر، حتى يصبح البحث عن المتعة السريعة عادةً تستنزف التركيز، وتضعف الصبر، وتؤثر في جودة الحياة والإنتاجية والصحة النفسية.

ونتساءل هل الإدمان على مشاهدة السوشيال ميديا وما يحدث فيها من تفاهة ومحتوى ضعيف وغير جيد يندرج ضمن هذا السلوك والانطباع، في البحث عن التسلية بأي شكل وطريقة، ومع هذا التطور الكبير في التقنية وعصر الهاتف الذكي والإنترنت وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي نجد أنفسنا تحت تحدي كبير في هذا المسار يبدأ بثقافة الشخص نفسه سواء كان ذكرًا أو أنثى، وعلى المجتمع بشكل واسع، والمؤسسات الإعلامية والاجتماعية بنشر التوعية بأعلى جودة وطريقة وفاعلية، كي يتخلص الإنسان من هذه السلوكيات السلبية وتنبيه الوعي الجمعي بالأهم والأفضل والأكثر مصداقية والأكثر أمناً له ولمستقبله ولوطنه الذي يعيش فيه.

أخيراً، هذا الكتاب فتح نافذة تأمل وبحث وتفكر

• دكتوراه صحافة وإعلام

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version