منذ أن كتب مقاله الأول عن «الشاعرية المفقودة في نادي الطائف الأدبي» عام 1992م، بدا واضحاً أنّ فيصل الجهني لا يكتب من موقع المتفرج على المشهد الثقافي، بل من داخله، وبعينٍ لا تتردد في مساءلته ونقده.
رحلة بدأت بالصحافة الثقافية، وتقاطعت مع النقد الأدبي والكتابة الثقافية، واتسعت لاحقاً لتشمل أسئلة الرواية والشعر والذائقة والجوائز والمؤسسات الثقافية، وصولاً إلى التحوّلات التي فرضتها المنصات الرقمية على مفهوم المثقف وحضور الأدب.
في هذا الحوار استعدنا مع الجهني علاقته بالقراءة والكتابة، ورؤيته لوظيفة المقالة الصحفية في النقد، قبل أن يضع يده على ما يراه أزمةً أعمق في المشهد الأدبي السعودي.. فإلى نص الحوار..
• ابتداءً، كيف تشكّلت علاقتك بالقراءة والكتابة؟
•• كان أبي قريباً من عالم الكتب والصحف. كان (مدير مدرسة) في مجال التعليم طوال خدمته، وكان يحب القراءة، ولذلك سهل عليَّ الأمر، فقرأتُ في وقت مبكر (المغامرين الخمسة) و(الأميرة ذات الهمة) و(سيف بن ذي يزن)، وفي بداية المرحلة المتوسطة تعرّفت على مكتبتَيّ (السيّد المؤيّد)، و(المعارف) اللتين كانتا في منطقة السوق القديم. قرأتُ من خلالهما: الأجرومية والكتاب وقطر الندى، وفي مجال الأدب كنتُ أستمتع بقراءة أجاثا كريستي و(ألف ليلة وليلة). في المرحلة الثانوية توطّدت علاقتي بـ(الواقعية) مبكراً، فقرأتُ لنجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي وحنا مينا ويوسف إدريس.
أما علاقتي بالكتابة فقد بدأت فور تخرّجي من الجامعة، فقد كانت بدايتها عجيبة ومفاجئة: كانت أول مقالة كتبتها بعنوان: (الشاعرية المفقودة في نادي الطائف الأدبي) عام 1992م، وأرسلتُها لسعد الحميدين (جريدة الرياض)، لأجدها تُنشَر في خميس ذلك الأسبوع، في ملحق (ثقافة الخميس) في أول صفحة، وأبرز (عمود) فيها، بلون غامق عن بقية الصفحة.
كانت تداعيات تلك المقالة هائلة، خصوصاً في مدينتي الطائف، لعلّ أبرزها عندي: أن الدكتور عثمان الصيني – بعد انتهاء ليلتنا في مقهى نجم العتيق – انفرد بي جانباً قائلاً: «الجماعة في نادي الطائف زعلانين، ويسألون بعضهم عن هذا الذي فضَّ ذكرى سامرهم بمقالة نارية لا تُبقي ولا تذر، ولكن لا تهتم بالأمر، بشرط أن تستمرّ في الكتابة». بعد ذلك كانت هناك صفحة ثقافية جميلة يُشرف عليها الفذّ (محمود تراوري)، في صحيفة (الرياضية) آنذاك، واستمررت في إرسال مقالاتي له لعامين متتاليين، ثم بدأت العلاقة مع صفحات (الرأي) عام 2003م بعد زواجي واستقراري في مدينة (جدة)، بدءاً من (المدينة – الوطن – مكة – الحياة).
• في مقالاتك حضور واضح للقضايا الثقافية والتعليمية والاجتماعية.. فأيّها تشغلك أكثر؟
•• في فترة سابقة ما، وفي صفحات (الرأي)، كان من المستحسن أن (أُنوّع) مقالاتي، فكتبت في الشأن الاجتماعي، والتعليمي (باعتباري داخل هذه المنظومة)، ولكن الحضور الذي يُناسبني حقاً هو الكتابة في الصفحات الثقافية (الوطن – الحياة) التي ظللت أكتب فيها من (2002-2017) تقريباً.
• هل ترى نفسك كاتباً ثقافياً، أم ناقداً، أم أنّ هذه التصنيفات أصبحت أقل أهمية أمام مفهوم المثقف؟
•• بالنسبة لي تمحورت مقارباتي المنهجية حول النصوص الشعرية والروائية، ولعلّهم يُسمّون ذلك (بالنقد)، أما الكتابة الثقافية فهي أوسع مجالاً في اشتغالها على الأفكار والأنساق والسياقات الثقافية العامة، وهذا ما كنتُ أمارسه أيضاً. لم تكن ممارسة كافية حتى الآن، إيماناً منّي بأن (المثقف) هو الذي يجمع بين هذه وتلك (بجدارة).
• هل استطاعت المقالة الصحفية تأدية وظيفة النقد الحقيقي؟
•• بالتأكيد، إلى عام 2010م كانت الصحافة تحتضن الممارسات النقدية بوضوح ومنهجية. لا يمكن أن أنسى (ثقافة الخميس) – الرياض، لثلاثة عقود بدءاً من 1988م، كان هذا الملحق يُشعُّ بجهود أساتذة (كبار) حقاً: الغذامي والسريحي والخازندار وعبد السلام المسدي وحسن ظاظا وإبراهيم أصلان ومعجب الزهراني.
كما كانت المقالة النقدية حاضرة في ملحق (أصوات) – مجلة اليمامة، في الفترة ذاتها، كان مشرفاً عليه (بإبداع) الشاعر محمد جبر الحربي.
في صحيفة (الوطن) – 2006م، أراد د.عثمان الصيني أن تنهض الصفحة الثقافية بأسماء مهتمة بقصيدة النثر وفن الرواية، كان يُريد بذكاء أن يُوثّق للمشهد سطوع الجيل الثاني من النقاد: (محمد العباس – محمد الحرز – عبد الله السفر – فيصل الجهني). ولكن للحقيقة، لم يعرف هذا الجيل كيف يُعلن عن نفسه بعد ذلك، كما أنه لم يحظَ باعتراف وتفاعل (النجوم) من نقاد الجيل الأول لأسباب لها علاقة بالقناعات المُفخَّمة!
بالنسبة لي، فقد قاربتُ في تلك الصفحة الكثير من الروايات المحلية خصوصاً:
(الوارفة، فخاخ الرائحة، سقف الكفاية، ترمي بشرر، خاتم، شرق الوادي، المنهوبة، قنص)، وحتى يجد القارئ المعرض الروائي الذي يريد، فقد قاربت كذلك روايات الرواد من الروائيين الغربيين: (زوسكيند، كونديرا، كازانتزاكس، دوستويفسكي). هذه الأمثلة تؤكد بأن المقالة الصحفية يمكن أن تنهض بوظيفة النقد الحقيقي، بل إنّ لها قيمة ثقافية أخرى، بكونها تسمح لطائفة كبيرة من القرّاء أن يعرفوا (الأدب) و(النقد) معاً.
• لديك مقالات عن نقد «منتجنا الثقافي الأدبي»، وكنت شديد النقد لبعض مظاهر المشهد الثقافي.. ما المشكلة الجوهرية التي ترى أنها تعوق إنتاج ثقافي أكثر نضجاً؟
•• ليس عابراً قول كاروثر ذات تجلٍّ روائي: «الرواية ينبغي أن تقدّم إدراكاً فلسفياً جديداً للكون والإنسان والحياة»، وليس بعيداً استثارة مغيّبات الكون لوعي كونديرا، والذي جعلته يقول بصوت عالٍ: «الرواية التي لا تكشف جزءاً من الوجود، لا يزال موجوداً، هي رواية لا أخلاقية. كل رواية لابد أن تقول لقارئها: إن الحياة أكثر تعقيداً ممّا تظنّ».
وبالتالي فإن مشكلة المشاكل التي تعوق إنتاج (أدب) أكثر نضجاً، هي انحسار زاوية رؤية الكُتّاب للموجودات والثقافات من حولهم، لتدور أعمالهم في آفاق حسّية وسطحيّة ضيّقة، داخل النسيج نفسه من الثقافة. منتَجُنا الروائي لا يتضمن تساؤلات وجودية أعمق، تتجاوب فيها أصداء الحياة والموت وأسرار الكون.
معظم منتجنا الأدبي عامة يدور داخل النسيج ذاته من الثقافة. من يظلّ حبيس داره، لن يرى ماذا يعجّ به الخارج، مما أنتج لنا أعمالاً غاية في البساطة، لا تتفاعل مع السياقات الثقافية، والتيارات والنصوص الأدبية خارجها. ولذلك استكانت رواياتنا في مربّع (الحداثة)، الحداثة التي وصلت إلينا بطيئة بالتواتر، منذ الحداثة الغربية في بدايات القرن الـ(20)، وإلى أن انتقلت معطياتها إلى الثقافة العربية (منذ الخمسينات الميلادية) لتصلنا نداءاتها الروائية متأخرة في منتصف التسعينات، عندما نشر القصيبي روايته (شقة الحرية)، في زمن كان أجدر بالرواية المحلية – لو أنها واكبت المراحل – أن تكون قد التفتت حولها، لتجد رواية (ما بعد الحداثة) الغربية تستعد للمرحلة التي تليها، في الوقت الذي كانت أهم الروايات العربية تندرج ضمن روايات (ما بعد الحداثة). ويتجلى من كل تلك التحوّلات أننا تأخرنا عن زمن الرواية الغربية 60 عاماً، وعن زمن الرواية العربية 30 عاماً!
• هل تعتقد أنّ المشهد الأدبي السعودي يعاني من أزمة إبداع، أم أنّ المشكلة في آليات اكتشاف الإبداع وتقديمه للقارئ؟
•• لم أكن أرغب أن أقول: (لا) وسط ذلك المنتج الغزير (وخصوصاً في فن الرواية)، لكن الأمانة العلمية والثقافية تُحتّم عليّ أن أقول (نعم).. نعاني من أزمة إبداع، هناك من الكتّاب من يظن أن الرواية تسجيل مادي للواقع، أو توثيق لحكاية تاريخية، أو بوح غزير لذكريات غابرة، أو إبراز جغرافيا وطقوس (البلدة) و(القرية) بصيغة سردية واحدة وصوت (وحيد)، يعلو فيها صوت المؤلف صاخباً مباشراً.. كل ما سبق كان اشتغالاً على (المتن): التاريخ – الواقع – التداعيات الذاتية، ولكنه ليس (الرواية). قيمة الرواية في ذاتها.. في تعقيدها للمألوف، في (مبناها الفني): اختراع ساعة جديدة للزمن الجديد – تعدد صيغ السرد – الحوارية التي تشمل (كل) عناصر السرد – التعالقات النصية مع النصوص الأخرى والفنون الجديدة – الإبداع في اختراع طرق جديدة لصياغة البناء السردي العام:
(في رواية «لو أن مسافراً في ليلة شتاء» لكالفينو، نجد عدة حكايات/روايات.. عندما يحاول القارئ العثور على بقية الرواية، يجد نفسه يبدأ رواية جديدة، ثم يصبح هو أحد شخصيات الحكاية)!
ربما أنّ ابتعادنا عن الجوائز العربية والعالمية شاهد على ذلك.
نحن في الـ(7) سنوات الأخيرة، أكثر ما حقّقناه، أنّ ثلاثاً من رواياتنا وصلت للقائمة القصيرة والطويلة (الأفق الأعلى – فاطمة عبد الحميد 2023 – باهبل – رجاء عالم 2024 – يداي لا ترتجفان – مها اليمني 2026).
ولكن حتى أكون منصفاً مع بداية الألفية الجديدة: لا بدّ من الإشادة بنماذج كانت تقترب قليلاً أو كثيراً من حمى (الرواية/الرواية): ليوسف المحيميد ثلاث روايات لا يمكن أن تمُرَّ على عجل بالذاكرة الفنية: (فخاخ الرائحة، وأكثر من سلالم، ورجل تتعقّبه الغربان)، ولعواض العصيمي: (قنص، والمنهوبة). كما أنّ معظم روايات رجاء عالم تزخر بالإبداع الفني: (خاتم – طوق الحمام – موقد الطير)، ولعبده خال: (فسوق – ترمي بشرر)، ولحسين علي حسين رواية ثانية مذهلة (لمس الأطراف)، كما أنّ لمحمد حسن علوان (القندس – موت صغير)، وليلى الجهني (الفردوس اليباب – غرفة الأم)، ولمها اليمني (يداي لا ترتجفان)، ولفاطمة عبد الحميد (الأفق الأعلى).
• إلى أي مدى تؤثر العلاقات الشخصية والمجاملات في تقييم الأعمال الأدبية وفي صناعة النجومية الثقافية؟
•• من أهم الأسباب، بالطبع، لتعطيل قيمة المنتج الثقافي: العلاقات الشخصية وما يدور فيها من مجاملات مزيّفة. أكثرهم يمتلكون أقصى حدّ من الذكاء الاجتماعي النفعي!
• هل يستطيع الناقد السعودي اليوم أن يقول رأيه بحرية كاملة، خصوصاً عندما يكون موضوع النقد متعلقاً باسم أدبي أو مؤسسة ثقافية لها حضورها؟
•• إلى حدّ كبير: (نعم).
• كيف يمكن إعادة النقد إلى القارئ العادي؟
•• القارئ العادي يحتاج، في البدء، إلى اكتساب (المنهج العلمي) في التفكير، والحكم على الأشياء: الوعي النقدي – الموضوعية – الاعتماد على العقل والدليل – القبول بحقيقة تراكم المعرفة، وتعددية المناهج والسياقات الثقافية. من هنا تكون بداية تخلّق الجماعة الثقافية الحقيقة.
أما علاقة القارئ العادي بـ(النقد)، فهو لا يحتاج لمعرفة النقد كمناهج تحليلية، وإنما يحتاجه لفهم الأدب وتجلّياته ومراحله ودلالاته. وحاجته تلك لم تجد من يستجيب لها – للأسف الشديد – خصوصاً في إطار المقالات ومنصّات التواصل، في ظلّ انشغال قاماتنا النقدية في تلميع أسمائهم والدفاع عن ممتلكاتهم القديمة.
دعني أطرح لك مثالاً لذلك المشهد: بين الحين والآخر يشتعل الخصام بين اسمين نقديين بارزين، حول (موضوعات) لا يستفيد منها القارئ وحتى المثقف العادي. في الآونة الأخيرة ظهر على الساحة سجال بينهما حول الروائي (أسامة المسلّم) وشعبيته الجارفة. الأستاذ الأول يُظهر تسامحاً مع هذا الروائي باعتبار أن منتجه يلامس خيال وأسلوب مجتمع القرّاء، وأنّ تلك الجماهيرية ظاهرة تستحق الدراسة فيما بعد. هذا كل ما في الأمر. لم يخرج القارئ المحلي (بشيء). هل (برّر) ناقدنا الكبير حقيقة انتماء الروايات الفنتازية (للمسلّم) لعالم الأدب؟
هل (بيّن) له السياق التاريخي الذي تنتمي إليه هذه الرواية عبر عصور الرواية؟ أما لو كانت فاتحة لنوع جديد في الرواية، هل يمكن أن تستمر عبر جيل من الكتّاب؟ أم يظلّ (المسلّم) وحيداً على عرش الرواية الخيالية عبر الزمن؟
أمّا عن الأستاذ الآخر الذي هاجم (المسلّم) وشعبيته بحجة أن الرواية التي يكتبها خارج الأدب (فقط)، فهو لم (يوضّح) الشروط التي تجعل من روايات ما داخل عالم الرواية الفنية الحقيقية. لم (يوضّح) ناقدنا (الأنيق) للقارئ العناصر الفنية للرواية الكلاسيكية (بحسب إدوين موير) التي تجعل من رواية ما رواية درامية مثلاً؟ أو بحسب الشكلانيين الروس في تفريقهم الشهير بين (المتن الحكائي)، وبين (المبنى الفني)، الذي يجعل لرواية ما قيمة (فنية).. (جمالية).
أجزم بأن (لو) ناقدنا المعارض لتجربة المسلّم (أبرز) للقارئ والمتابع حقيقة أنّ روايات (المسلّم) – بالرغم من اشتغالها على الثيمة الخيالية – لكنها في الأخير (حكاية)، تفتقر للثيمات التي تجعل من رواية ما رواية أدبية، على الأقل، ليكتب لهم عن تلك الثيمات الفنية، بحيث يتمكّنون من فهمها ومعرفتها. ولكن ناقدنا كان مهتمّاً بشكلانيّة (السّجال) و(حرب النجوم)!
أيضاً، غياب النصوص النقدية الجادة أفضى إلى غياب القارئ (الواعي) والروائي (الواعي) أيضاً.
• في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح لكل شخص تقريباً منبره الخاص. هل أسهم ذلك في توسيع المجال الثقافي، أم في زيادة الضجيج على حساب المعرفة؟
•• وسائل التواصل حرّرت الثقافة من سلطة واحتكار المنابر، لكنها حرّرتها أيضاً من معايير التحقّق والوعي النقدي، والتي يفتقر إليها كثير من وسائل التواصل تلك، وبالتالي تغيب القدرة على فحص الأفكار والنصوص على آلة (التفكير العلمي/النقدي)، وعلى مقارنتها بالنماذج العليا والسياقات الثقافية الجادة (خارج المحليّة). ذلك يجعلنا نستطيع تحقيق الحكم المنصف (لقيمة ما لدينا من تجارب)، وتحديد المكان الذي تشغله ثقافتنا بدقة وإنصاف.
• كيف تنظر إلى ظاهرة «المثقف الرقمي»؟ وهل عدد المتابعين يمكن أن يصبح معياراً من معايير التأثير الثقافي؟
•• لنعكس الإجابة المتوقّعة، ونقول: نعم، عدد المتابعين يمكن أن يصبح أحد معايير التأثير الثقافي، ولكنه التأثير الثقافي السلبي، الذي يجعل الوعي الثقافي الجمعي يرتهن إلى الخطابات والأفكار العاطفية (ثقافة القطيع)، بعيداً عن أنوار العلم والمعرفة الخلّاقة!
الأمثلة كثيرة وجاهزة: الشيخ عائض القرني يُتابعه 20 مليوناً، والمستشار طارق الحبيب يُتابعه 5 ملايين، والشاعر الشعبي تركي الميزاني يتابعه أكثر من ربع مليون (الشّغل كلّه بالملايين)، في حين أنّ الضّفة الأخرى الأكثر قرباً من تخوم الثقافة الحقيقية لا تجذب إلّا بضعة (آلاف – مئات).
الدكتور صالح زياد يُتابعه (24) ألفاً، والدكتور سعد البازعي يتابعه (93) ألفاً، والشاعر والمسرحي أحمد الملا يتابعه (9) آلاف.
هل لك أن تُصدّق أنّ الشاعر حمد الفقيه، أحد أهم الشعراء لدينا، الذي كتب القصيدة (الجديدة) التي تتجاوز بوعي شعريّ حادّ جميع تجارب القصيدة الحديثة، يتابعه (170) متابعاً فقط؟!
كلّ ذلك بسبب التأثير السلبي للثقافة الجمعيّة. لا أُبالغ، هذه هي الحقيقة (ولو كانت مؤلمة لنا جميعاً)!
• المشهد الثقافي السعودي يشهد اليوم حراكاً واسعاً ومؤسسات ومبادرات وجوائز وفعاليات. هل انعكس هذا الحراك على جودة المنتج الأدبي بالقدر نفسه؟
•• يجب على الثقافة أن تكون حيّة وفاعلة ومؤثرة. هذا هو شرط الفعل الثقافي، ولكن يجب أن يكون هذا الحراك موضوعياً ومنصفاً للثقافة الحقيقية.
برزت على المشهد (جمعية الأدب المهنية) بنوايا (طيّبة) لخدمة الأدب المحلّي، وبيان تأسيسي مثالي. ولكن المخرجات (كلّ يُغني في واديه). كانت مبادرة (الشريك الأدبي) فرصة لمن يريد أن يقول (حكايته) على الناس. لا أدري بجدّ كيف أصف هذه اللحظة. أقرأ موضوع الفعاليات والندوات وأجد فيها كثيراً من البساطة والتكرار والنكوص إلى لحظات أدبية غابرة شعراً ورواية ونقداً. كنت أقول لأصدقائي: إن أسهل أنواع الطروحات أن تكون على غرار: (المرأة في الرواية السعودية)، (الآخر في حكاية أحمد السماري..)، وهكذا، وهذا ما تتمحور حوله كثير من عناوين وموضوعات (الشريك/الجمعية). الشّعر له حرّيته. الرواية في هذا المشهد بريئة، قادمة من أطياف قديمة، حيث يجب التعقيد والتجديد.
80 سفيراً يمثلون أصوات مناطقهم الأدبية، الكيف أهم هنا من الكم. أحمّل هؤلاء مسؤولية تلك العشوائية الصاخبة. هل اتّفق جميع هؤلاء على تقديم ثقافة ذات هوية خصوصاً تتعالق مع الحالات الأدبية الجادة والجديدة والمتجاوزة في الآداب الأخرى؟
أمرٌ آخر: جميل أن يستشعر القائمون على الجمعية أهمية الترجمة كفعل ثقافي تفاعلي، ولكني أرى أن ذلك الفعل يُقدَّم (على استحياء)، تشعر بذلك عندما يُسمّونها (مبادرة).
يُقال إنّهم ترجموا 350 كتاباً؟ أتساءل عن الهوية، عن المعايير؟
أقرأ: 350 كتاباً سعودياً حصل على منح ترجمة، فلا أفهم شيئاً. الذي أفهمه بوضوح أنّ (مشروع كلمة للترجمة) في (أبوظبي) الذي تأسس قبل (مبادرتنا الطيّبة) بعقد ونصف من الزمن، يترجم 150 كتاباً كل عام، وقد بلغت إصداراته المترجمة بالفعل 1,500 كتاب تقريباً (بدون الانطلاق من مبادرات ومنح وشيء من هذا)، الأكثر غرابة في مخرجات عمل تلك الجمعية (مؤخراً) هو استحداث باقات (البريميوم) لمن يريد من المؤلِّفين أن يعمل دعاية براقة وحفلات توقيع وندوات لكتابه. (طبعاً هذه الباقات، ليس من اهتمامها أن يكون الكتاب جيداً أم سيئاً، يُقنع أم يُفشِّل؟).. الحقيقة أدعو الله أن تبدأ جمعية الأدب بداية جديدة، ترتكز أهدافها وأعمالها على (مدخلات) صحيحة وخالصة حتى يمكن التنبؤ بـ(نواتج) مقنعة ومؤثرة دائماً.
• هل كثرة الفعاليات الثقافية تعني بالضرورة وجود حركة ثقافية حقيقية؟
•• ربما إجابتي عن السؤال السابق تُجيب أيضاً عن هذا السؤال. ولكن دعني هنا أطرح لك مثالاً عجيباً عن ذلك الحراك: أخت فاضلة من (عسير) أصدرت رواية، لم يمضِ عليها عام حتى الآن. ظلّت هذه الأخت (تدور) على كثير من المقاهي الثقافية في مدن المملكة، لتقديم روايتها (كانت هي ذاتها تتكفّل بالقراءة النقدية لروايتها في تلك اللقاءات)، هل تُصدّق أنّ حفلات الدعاية والتوقيع لم تنتهِ حتى قبل أيام، من كتابة هذا الحوار! هل الرواية بحدّ ذاتها مقنعة؟، هي (جيّدة) ولكنها لا ترتقي للأعمال الفنية الناضجة. كان (الموضوع) لديها سهلاً، لم تكن تحتاج في رحلتها الدعائية تلك إلاّ اختيار (مقهى)، والتنسيق مع أحد (السفراء) للإعلان عن (الرواية) في مبادرة (الشريك الأدبي)، ولا شكّ أنّ الكراسي المحدودة في المقهى محجوزة للسفراء والأصدقاء!
• هل تغيّرت ذائقتك القرائية مع الزمن؟ وهل هناك كتب كنت تراها عظيمة في بداياتك ثم تغيّر موقفك منها؟
•• بالتأكيد لا بدّ أن تتغيّر، وإلّا كنتُ تمثالاً بائساً من حجر.
التحوّلات هي قدر الثقافة، والتراكم المعرفي أهم الشروط (الأوّليّة) للتفكير العلمي الصحيح.
في وقت بعيد، كنتُ معجباً بـ(أحمد أمين وميخائيل نعيمة ومارون عبود)، وبعد ذلك كانت أهم مراجعي لفهم الأدب، (سعيد يقطين وحميد لحمداني ومحمد خطابي وفيصل دراج)، ثم ترجمات، (جيرار جينيت ورولان بارت وتودوروف، وأقرانهم). وفي الأدب أيضاً، كنتُ متولِّعاً بـ(نجيب محفوظ)، كانت رسالتي (للتخرّج) من قسم اللغة العربية تتمحور حول (شروط الواقعية في روايات نجيب محفوظ). في القاهرة دخلت – بالصدفة – إلى ندوة عن (نجيب محفوظ)، قلتُ لهم في مداخلة قصيرة: «عندكم (طارق إمام) حيّاً يُرزق إبداعاً لا ينتهي، ثم تنكصون إلى ماضٍ بعيد، استوفى فيه الدارسون والنقاد كل ما له علاقة بنجيب محفوظ تماماً».
بعد زمن (نجيب محفوظ) انهمكت في عالم الفذّ صنع الله إبراهيم في رواياته (الصاخبة) بالوعي وبأرشيف هائل من عوالم شتى، وبـ(كولاجاته) ذات القيمة الفنية العالية، بعد ذلك وحتى الآن، تجاوزت الأعمال (الواقعية) إلى الرواية الجديدة التي يكتبها عربياً: (طارق إمام، وإيمان مرسال، وسمر يزبك، ومحمد سمير ندا).
أمّا الرواية الغربية فهي عندي الرواية الجديدة أيضاً، التي بشّر بها آلان روب جرييه: إيتالو كالفينو ودون ديليلو وتوماس بينشون وجون فاولز وهاروكي موراكامي.
يجب أن تتغيّر القناعات والمراحل (في كلّ مرة)، وذلك أمر طبيعي في قانون البشر عموماً.

