برحيل الدكتور سعيد السريحي لا تفقد الساحة الثقافية ناقداً عربياً كبيراً فحسب، بل تودع مثقفاً موسوعياً نادراً جمع بين عمق المعرفة ونبل الأخلاق ورهافة الحس الإنساني.
إذا تحدث السريحي أجبرك على الإنصات لا بقوة الصوت بل بعمق الفكرة وحضور الحكيم، الذي تعرف أن كل كلمة تخرج منه تستحق أن تسمع. كنت تتمنى ألا يسكت وأن يطيل البقاء في فضاء الكلام لأن حديثه لا يمر عابراً بل يستقر في العقل والوجدان. سكت الآن طوعاً وإجباراً وغاب الصوت لكن المعنى لم يغب وسيظل ينطق في أعماقنا ووحدتنا وستبقى كلماته عالقة في أذهاننا ووجداننا إنه ألم الرحيل ودهشة الفراق.
كان غريباً في تميزه، موسوعياً في ثقافته، عميقاً في الدين والشريعة، عالماً باللغة، ناقداً أدبياً رصيناً، ومتذوقاً استثنائياً للفنون البصرية. كان يمتلك في هذا الحقل معرفة دقيقة ولافتة قائمة على تفاصيل وأرقام وقراءات عميقة تفوق أحياناً ما نملكه نحن الذين مارسنا هذا الفن أو درسناه أكاديمياً حتى تشعر وأنت تستمع إليه أن مفاتيح هذا العالم كانت حاضرة لديه بوعي الباحث لا بسطحية المتلقي.
خصّص للفنون البصرية صفحة أسبوعية لم تكن مساحة عرض عابرة، بل كانت منبراً ثقافياً حياً شارك فيه بفكره وأطروحاته المختلفة وبعناوينه الذكية التي رسخت في الذاكرة وصنعت وعياً بصرياً لدى القارئ. كان يتعامل مع الفن بوصفه خطاباً معرفياً لا يقل شأناً عن الأدب، ويمنح الفنان حقه من القراءة العميقة والاحترام النقدي.
وعلى المستوى الشخصي، كان معلماً نبيلاً استفدت منه كثيراً في كتابة العناوين، وصياغة مداخل المواد، وبناء البروفايل الصحفي والأدبي. لم يكن تعديله للمواد جافاً، ولا توجيهه قاسياً، بل كان يبتسم ويقول بكل تهذيب: «ما رأيك أن نكتبها كذا»، فتدرك أن ما يقدمه توجيهٌ مغموس بالاحترام، وليس تصحيحاً يجرح النص ويكسر صاحبه، بل لغة تحمل احتراماً عميقاً لما كتب، واقتراحاً يفتح أفقاً جديداً دون أن يلغي ما قبله. لم يعب نصاً ولم يكسر قلماً بل كان يصحح بروح الخبير، ويقترح بعقل الشريك، ويترك للكاتب حق الاختيار.
رحل الجسد وبقي الدرس وبقي الأثر وبقيت طريقته ونبرته وأخلاقه. سيظل السريحي صوتاً حاضراً في الذاكرة الثقافية، وضميراً معرفياً نادراً علّمنا أن الكلمة مسؤولية، وأن النقد أخلاق قبل أن يكون أدوات.
رحم الله الدكتور سعيد السريحي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه للفكر والثقافة في ميزان حسناته.











