نهض يرتّب حقيبته ولفافات اغترابه في فرح واستبشارٍ ممزوجٍ بحزنٍ شفاف خفيف لم يستطع فهمه، ومضى كأنه لا يريد أن يغادر. نظر إلى الكتب الملقاة على الطاولة، وقرر ألا يحمل منها شيئاً، سيحمل قصائده في قلبه هذه المرة ويمضي، فمتعة الرحيل بحقيبة صغيرة ستقللُ من وعثاء السفر.
صار كل شيء جاهزاً، وحقيبته تنتظره عند الباب، والقدر يحدّق فيه مبتسماً ! تحرّك ببطءٍ ثم توقف ملتفتاً، حاول تذكر شيء ما نسيه هناك، لكنّه لم يستطع تخمينه ولا معرفته، فأغلق الباب خلفه وتحرك نحو المصعد يدندن بكلمات أغنية قديمة عن الرحيل.
مرت السيارة في الطريق، بالقرب من شجرةٍ كبيرة أسفل (الجبل الأخضر)، جلس في ظلها كهلٌ وابنه الصغير.
مرَّ أمامه بسرعة شريط حياته، بدايةً من ولادته في مساء شتوي تحت جذع شجرة بالقرب من أحد الجبال، حتى لحظته تلك.
وجهُ الطفل الصغير مع أبيه أو ربما كان جده ذكّرهُ بنفسه، وهو يلاحق أغنامه حاملاً تلك العصا الصغيرة على كتفيه، يرخي راحتيه الصغيرتين عليها من طرفيها، ويمشي محتزماً بجنبيته الصغيرة التي لم تكن سوى (شفرة) صدئة، متنبئاً بالتاريخ القادم، ومتمنياً معرفة تلك الحياة الأخرى خلف الوادي.
أدرك لوهلة وهو يدلف إلى صالة المطار أن ذكرياته هنا صارت تسبّب له الحزن، وأن أسفاره كثرت، وأن أجراس الرحيل دقت و لم يعد في العمر متّسع.
ودّع (ديرته) وغيمها ومطرها وحلّق مع الطائرة التي أقلته إلى أم الدنيا، مقرراً هذه المرة رغم انطوائه المستمر؛ قطع علاقته بالأضواء تماماً، فهو لم يحبها يوماً وقد أرهقت روحه، وجعلتْ الغربان تشاكس (بيادره) طوال سنين.
جلس على مقعده متحمّساً للانطلاق في حياة أخرى وفك أسر روحه من القيود وسط كون من السمو، يلتقي فيه الناس البسطاء الذين أحبهم دوماً.
أسند خده إلى راحة يده اليمنى، ورفع نظارته قليلاً فوق أنفه، يحدّق من نافذة الطائرة إلى ما تمر عليه من مناظر، وما تعبر فوقه من قمم تلك الجبال التي أحب، والغيوم التي كان يبحث فيها عن شمس.
أغلق ستارة النافذة وحاول أن يغفو قليلاً، لكن صداعاً بسيطاً منعه، ليداهمه بعدها هاجس خفي يحاول إغلاق نافذة تنبؤاته حول الليالي الجميلة القادمة.
حاول أن يتسلّى بالقراءة في ملفاته القديمة على جهازه الجوال، وسرعان ما مضى الوقت وأعلن مضيف الطائرة عن وصول الرحلة إلى مطار القاهرة الدولي، وأعلن هو مع نفسه تفاؤلاً مكسواً ببياض ناصع ارتاح له وهو يطلقُ تنهيدةً طويلة.
انتظر كعادته خروج جميع الركاب، ثم قام ليغادر الطائرة.
نزل منها عابراً المطار في هدوء ومضى يسحب شنطته نحو صالة القدوم.
ركب سيارة الأجرة منطلقاً نحو فندقه، وعندما اقترب من الوصول إلى جانب النهر العظيم داخله شعور بسعادة غير مفهومة كأنه رأى صديقاً قديماً سرّه أن ينتظره! قال لنفسه: ربما ابتسم لي الحظ هذه المرة !
عندما همّ بالنزول عند باب الفندق شاهد أطفالاً يحملون حقائبهم عائدين من المدرسة، ورحل خياله نحو الذين يحبهم في (اموطن) وإلى حياة القرى والحقول، والسدرة التي غرسوها باسمه عندما ولد.
ارتاح في غرفته حتى المساء، نهض واغتسل، لكن الصداع زاد قليلاً، فسحب حبتي (بنادول) من حقيبته الصغيرة، تناولها مع كأس ماء وخرج إلى الشرفة المطلة على نهر النيل.
أنعش قلبه وروحه الهواء الذي يتسلل إلى الشرفة ومناظر القوارب التي في الأسفل تعج بالناس وبالأضواء والأغاني وبدأ يستعيد نشاطه.
ودّع غرفته وذهب ماشياً إلى المطعم القريب يحدق في المساء والسماء.
تناول عشاءه على عجل، وتقدّم يتمشى نحو النّهر، يفكّر في الشعر الذي لم يقله بعد، القصائد التي تبدو كحديقة مليئة بالورد، والعصافير التي تخشى شوكه وروحه !
أشعل وهو يمشي قناديل قصائده، وتلا على نفسه – يطرد همّ الوحدة والغربة:
«يا لهذا العجوز الولد، سأموت قليلاً، وستحزنون مؤقتاً، وبعدها ستحتفلون، وتتحدثون عن عمق سخريتي، وذكاء التافه من أقوالي، وسوف تتجاهلون القصائد التي أحببتُ، وتبررون أخطائي، والشعر العظيم، الذي لم أقلّه بعد».
جلس في زاوية المقهى وحيداً يتأمل النهر والجالسين والعابرين، يفكر في فلسفة هذه الحياة وهذا الوجود، وفي غرابة هذه الدنيا الشاسعة، التي لم يكن يعلم أنها تخطط لوداعه.
كان الليل لطيفاً والضوضاء الخفيفة حوله ترسم دوائر ذات بهجة، والوقت يمر ممتعاً وحافلاً بالسعادة تجاري تأملاته، لكنه فجأة أحس بانقباض غريب في روحه، وفكّر لوهلة في الشعور الذي يداهمه أحياناً فينغص عليه لحظات تجليه، ثم قرر طرد هذا الخاطر المتشائم، وبدأ في شرب ما تبقى من كوب الشاي.
في خفّة، حمَلَت الأقدار روحه معها وقفزت من الشرفة نحو الأسفل، اقتربتْ به من طرف النهر، ثم حرّكته قليلاً ليحاذي الضفة، أمالته بهدوءٍ ليلتصق بصفحة الماء حتى تبللت قمته، عندها أرسلت الشمسُ أشعتها حتى لامست عصاه، وبدأ الجبلُ يذوبُ في النهر!

