ليس من السهل استعادة تجربة كاتبٍ ارتبط اسمه لسنوات بالمقالة الصحفية في أوج ذيوعها وانتشارها؛ كانت مقالاته جزءاً من سجالٍ واسع حول المجتمع والثقافة والتعليم والدين والقبيلة.

الكاتب الصحفي علي سعد الموسى كاتب لا يمكن قراءة تجربته بمعزل عن التحولات التي شهدها المكان الذي كتب فيه.

نستعيد في هذا الحوار تجربة الموسى في الكتابة الصحفية، لا بعين الذاكرة وحدها، وإنما بعينٍ تنظر إلى الحاضر أيضاً. نتحدث معه عن الغياب والحضور، وعن المقالة التي فقدت كثيراً من شروطها القديمة، وعن زمنٍ أصبح فيه الكاتب ينافس الصورة وسرعة الانتشار، كما نستعيد معه قضايا فكرية واجتماعية كانت يوماً في قلب معاركه الصحفية، ونتأمل معاً: ما الذي تغيّر فيها، وما الذي بقي أكثر رسوخاً مما كان يعتقد؟

تقاطعت أسئلتنا معه في الثقافة والكتابة والتعليم والتحولات الاجتماعية، وعن أثر الكلمة، وقيمة الفكرة، ومستقبل الكاتب في زمنٍ تغيّرت فيه علاقة الجمهور بالمعرفة والرأي.

فتحنا دفاتر الكتابة القديمة، وقرأناها من موقعه اليوم، وعلى القارئ أن يحكم على المسافة بين ما قيل بالأمس وما يحدث الآن، فإلى نصّ الحوار..

• دعنا نبدأ من الغياب، هل هو تراجع حقيقي في اهتمام الوسط الثقافي بك كاتباً، أم أنك أصبحت أكثر حساسية تجاه فكرة الغياب؟

•• تقول ثقافي وتتحدث عن وسط. يزعجني أنّ قولبة الرأي العام أعادت تعريف الوسط واختزلته في مظهر الجسد، مثل كل ظواهر البشر. الوسط كائن متحور في الذوق والشكل وإعادة التعريف.

• هل يزعجك أن يمرّ حدث ثقافي كبير في المنطقة دون أن تكون مدعوّاً إليه؟

•• أنت تقول ثقافي، لا، لا يزعجني لسبب بسيط: لأنّ حدثاً ثقافياً واحداً لم يمر خلال العقد الأخير، بالتأكيد هناك أحداث ثقافية يمكن أنها مرت، لكنني، وللأمانة، أنام منتصف المساء ولا أعلم بما يحدث بعد ذلك.

• الأجيال الجديدة، هل تعرف جيل كتّاب المقالة الذي كنت أحد أبرز أسمائه؟

•• لا أعتقد، لكنني متأكد أنّ بصمتي الشخصية في مشروعي الكتابي الراحل موجودة في كثير من جوانب حياته اليومية. عشتُ حتى شاهدت ما ناديت به، وهذا يكفي.

• لو التقيت كاتباً شاباً بدأ اليوم، ماذا ستقول له عن الشهرة الثقافية؟

•• انتبه لسلامة أسنانك، فقد يأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه حتى دفع فاتورة أسنان. أسناني هي من تجعلني اليوم أعتذر عن الظهور التلفزيوني حتى لا أكون (نازك ملائكة) أخرى مع مشوار العمر.

• هل فقدت المقالة البيئة التي كانت تجعلها ممكّنة ومؤثرة؟

•• بكل تأكيد، لك أن تتخيل أنّ جامعة سعودية كبرى تعرض مكتبتها للاستثمار الفندقي. تمّ تفريغ البيئة التي يتحدث عنها السؤال، وتحوّلت إلى محتوى لولائم الأثرياء والمترززين.

• هل ترى أنّ منصة X أعادت تعريف «الكاتب» بحيث أصبح صاحب الرأي أهم من صاحب المشروع الكتابي؟

•• لا أملك الأرقام الدقيقة، لكنّ مؤثرة شهيرة لها ألف ضعف متابعي من كانوا أهم عشرة كتّاب سعوديين في تاريخ الكتابة السعودية. الجمهور يتولد على هكذا مشاريع: مشاريع المفاتن.

• هل أصبحت سرعة التفاعل مع الجمهور أكثر إغراءً من الكتابة المتأنية؟

•• الكتابة المتأنية تحتاج رصيداً من المعرفة يُبنى بالقراءة. ذات مرة ذهبت إلى مكتبة جرير وسألت عن خمسة عناوين كنت أريد شراءها، فقال لي البائع: يبدو أنّك خارج من سجن طويل، فالناس اليوم لم تعد تهتم بحروب الأفكار. من الذي أقنع هذه الأجيال أنّ الثقافة هي ما تطلبه من (هنجر ستيشن) أو أمازون؟ هذا هو السوق اليوم.

• ما الذي كان متاحاً لكاتب المقالة في الصحافة السعودية ولم يعد متاحاً للكاتب اليوم؟

•• ما لم يعد متاحاً هو عقل وعقلية المتلقي، كنت أكتب ليقرأ لي سعيد السريحي وتركي الحمد وعبده خال وعثمان العمير. في هذه الأيام أصبح الرأس مجرد دولاب، وأصبح الوجه مجرد مساحة مكياج تختبر به الأنثى قدرتها على جذب المتابعين.

• كتبتَ كثيراً عن التعليم.. كيف تقرأ مسيرة التعليم السعودي اليوم مقارنة بما كنت تكتبه قبل سنوات؟

•• سأجيبك بما يشبه الصدمة. أحد الأرقام تحدثت عن 95% من طلاب الثانوية لا يعرفون اسم وزير، وقد أظن أنّ ذلك ينطبق على بعض المعلمين. خذ مثالاً آخر: مدرسة مدمجة بها 700 طالب، بها 35 فصلاً دراسيّاً، ثلاثة فصول تنزل حصة الرياضة في الوقت نفسه إلى ملعب سلة، ثم يأخذون في حصة التعبير (العقل السليم في الجسم السليم)، وأرجو أن تعفيني من بقية الإجابة حتى لا ألعب فوق السقف المتاح.

• كتبتَ مبكّراً عن التطرف والخطاب الديني والقبيلة.. كيف تنظر اليوم إلى تلك الأفكار التي خضت حولها معاركك الصحفية؟

•• أنظر إلى نفسي أولاً أنني كنت إمّا مجنوناً وإمّا متخلفاً عقلياً، لكنّه أروع جنون وألذّ تخلف، ولو عادوا لعدت، فهذه قضية انتماء وطني لن أساوم عليها، حتى وإن كنت قد دفعت لها ثمناً من حياتي فيما سبق.

• هل تعتقد أنّ المجتمع السعودي تجاوز فعلاً بعض الظواهر التي كنت تنتقدها، أم أنّ هناك تغييراً في اللغة والأدوات فقط؟

•• في التطرف مثلاً ما زالت الأدوات، لكن اختفت اللغة. المصنع، وحتى لو تمّ تفكيكه كما كنتُ أطالب، إلا أنّ إنتاجه كان غزيراً، وكان يغطّي حاجة السوق عشرات الأضعاف. نحتاج لعقدين أو ثلاثة حتى تنتهي منتجات هذا المصنع من السوق.

• عندما كنت تكتب ضد ظاهرة اجتماعية أو فكرية، هل كنت ترى نفسك ناقداً للمجتمع أم جزءاً من عملية إصلاحه؟

•• لا هذه ولا تلك، وفي الأغلب كنت ناصحاً. عملية الإصلاح تقوم على القوانين، وهذا ما كان في هذا العهد الجديد ولله الحمد. حين أتذكر اليوم عناوين ندوات الحوار الوطني أشعر أن بعض خطابنا كان أقرب إلى قندهار وجبال تورا بورا، كل ما فعله ولي الأمر أنّه أعادنا للسكن في شوارع الرياض وجبال السودة.

• ما القضية التي كنت تعتقد أنها ستتغيّر سريعاً ثم اكتشفت أنها أكثر رسوخاً مما توقعت؟

•• اليوم ولله الحمد لم أعد قلقاً أبداً على أمّ تضع وليداً في هذا البلد الآمن والمطمئن على مستقبل أجياله. قلقي اليوم على ناقة تحمل في أحشائها (حواراً) لعام كامل، ثم يُسحب منها ديكوراً على موائد الهياط، فما ذنبها وذنبه؟.

• مقال ندمت على نشره لأنه تجاوز ما ينبغي أن يقوله الكاتب.

•• صدقني، ولا مقال واحد ندمت عليه. فوق ذلك قد أكون الكاتب اليومي الذي لم توقفه وزارة الإعلام على الإطلاق. ذات مرّة قال لي المرحوم تركي السديري ونحن في رحلة ملكية خارج البلاد: أنت الكاتب الوحيد الذي يكتب مثل هذا المقال بالتحديد (في حينه) دون غلطة واحدة، كلّ شيء يكتب، لكن المسألة: كيف وبأي لغة.

• ماذا عن مكاسب الكتابة وخسائرها؟

•• مكاسبي منها كان أعلاها برجي العاجي بخمسين طابقاً على كورنيش سراة عبيدة، أمّا خسائري فحين اكتشفت أنني كنت الكاتب الأرخص ثمناً في تاريخ الصحافة السعودية، رغم أنني وبكلّ صلف، لا استكبار، كنت (ماجد عبدالله) لكلّ كتّاب المقالة السعودية. سمّ هذا ما شئت، لكنني بثقة أقول: كنت الأسبق دوماً في اصطياد الفكرة، وغالباً يبقى لغيري صدى الردود. أنا لغة مختلفة عن كلّ السائد العام.

• هل تعتقد أنّ الكاتب يحتاج إلى أن يكون قارئاً للأدب حتى يكتب مقالاً مؤثراً؟

•• الأدب جزء من مجموع هائل في تكوين المثقف، لكنّ الكاتب عمل انقلابي يجب أن يتجرّد على المألوف وأن يكون مستقلّاً عن أي مدرسة. أنا شخص ملول، أكره سجن الروايات وحفظ الشعر، مفضّلاً على ذلك قراءة الكتب الفكرية. ذات مرة سألتني زوجتي: ماذا استفدت، على قولك، من أنّك أكبر ضليع بالبلد بأفكار الإسلام السياسي؟ جوابي: أنا مسلم يحب أن يرى دينه في صورته الصحيحة.

• كاتب قرأتَ له وترك أثراً في أسلوبك.

•• عالميّاً: أستاذي ومشرف رسالتي للدكتوراه «بيتر تروجيل»، وهو ثاني أستاذ لسانيات في تاريخ هذا العلم بعد نعوم تشومسكي.

عربيّاً: لا أحد.

سعوديّاً: الكاتب الراحل واسمه (علي سعد الموسى).

أمنيتي أن أكون على قيد الوفاة لأرثيه كما عرفته.

• هل ما زلت تؤمن بالكلمة وقدرتها على التغيير؟

•• ما هذا السؤال؟ جوابي: مشهورة تبثّ من الغرب فعلت بالسعوديين في ظرف أعوام ما لم يستطع كلّ كتّاب الصحافة السعودية فعل ربعه في ثمانين سنة.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version