ألقت التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية في عالمنا العربي بظلالها القاتمة على أمزجة بعض المفتونين بالقراءة والشغوفين بالمعرفة من النُخب، خصوصاً التي كانت شديدة الحرص على حضور الفعاليات والانتقال مع معارض الكتب من عاصمة إلى أخرى، ونحن اليوم أمام ظاهرة عنوانها (فقدان الشغف) تفتح باب التساؤل حول أسباب هذا التراجع، وهل لمواقع التواصل الاجتماعي أثرها فيه؟ وما دور المؤسسات المعنيّة بالمناسبات والمواسم الثقافية؟
يرى الناقد الدكتور بسّام البزاز أن الحالة طبيعية جداً وسط جو السرعة والسطحية الذي نعيشه، مشيراً إلى أن كلّ شيء نريده سهلاً وسريعاً لا يكلفنا أيّ مجهود أو وقت.
وعدّ الظاهرة نتاج الهوَس بالعجلة والكسب السريع والمتعة الخاطفة، في كل مناحي الحياة؛ موسيقى وأدب وفن حدّ متابعة الجمهور في ما يريد. وأضاف: لو حاولت الآن إقناع طفلك بترك «الموبايل» غالباً لن يتركه إلا باحتجاج، في ظل موجة تحتاج إلى وقفة وبحث وإصلاح يشمل المجتمع بدءاً من الأسرة، لافتاً إلى أن كل ما يُستطاع في قضية معارض الكتب، يتمثّل في السعي الحثيث للمحافظة على بقية عشاق القراءة، وأن نختار لهم كل جيد ورصين عوضاً عن تجاهلهم ودفعهم إلى طريق السطحية.
ويؤكد أستاذ الفلسفة الدكتور محمد فتيلينه أنه في أعوام خلت نُظَّمت عشرات معارض الكتب في العالم والبلدان العربية، وكان القراء ينتظرونها بشغف كبير كي يقتنوا الكتب التي ظلوا يبحثون عنها طوال أشهر، بل إن بعضهم كان يفد إلى معرض بعينه، رفقة أبنائه أو أصدقائه، فيما ينتظر آخرون لقاء كاتبهم المفضل أو حضور ندوة أو فعالية ثقافية، أُعلن عنها ضمن برنامجه.
ويعلل أسباب التراجع بتأثيرات عدة منها، التكنولوجيا الرقمية التي أضعفت العلاقة بالكتاب، إذ أتاحت المنصات الإلكترونية للقراءالوصول إلى المطبوعات بصيغ رقمية، ومكّنت من عقد اللقاءات الثقافية عن بُعد، وأصبح المؤلف يلتقي قراءه مباشرة عبر المنصات الرقمية، ويقدم ندواته دون أن يغادر مكتبه، وانتقلت بعض الأدوار التي كانت تؤديها مؤسسات واقعية، جزئياً، إلى الفضاء الرقمي الافتراضي، لافتاً إلى أن الأوضاع الجيوسياسية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، دفعت بعض منظمي التظاهرات الثقافية إلى إلغاء فعاليات أوتأجيلها، بحكم تأثر حركة السفر وحضور الجمهور والناشرين، كون الناشر والمطبعي والموزع شأن غيرهم من الفاعلين في هذه الصناعة، غدوا أكثر حذراً في حساباتهم. فالمشاركة في معرض للكتاب ليست مجرد قرار ثقافي، بل هي استثمار مالي يحتاج إلى نفقات تغطي الطباعة والنقل والشحن والإقامة، ما يضع صانع الكتاب نفسه أمام سؤال جوهري: هل يستحق هذا الاستثمار المغامرة في ظل سوق ثقافية متقلبة، تراجعت فيها القدرة الشرائية، وتغيّرت عادات القراءة، واضطربت حركة المعارض الدولية؟
وأضاف فتيلينه: ليس السؤال، لماذا يتراجع الإقبال على معارض الكتب؟ بل أيضاً: كيف يمكن إنقاذ المعرض من التحول إلى مجرد سوق موسمية للكتب، وإعادة تقديمه باعتباره حدثاً ثقافياً لا يمكن للفضاء الرقمي أن يحل محله بالكامل؟
ويذهب القاص جمعان الكرت، إلى أن الوضع لا يدعو إلى التشاؤم إلا أنه من الصعب جداً إعادة العجلة إلى الوراء، فالتغيرات التي شهدناها خلال العقد الأخير كانت كفيلة بإحداث تحولات كبرى في المشهد الثقافي، بدءاً من تراجع وتوقف الصحف الورقية، وانخفاض الإقبال على الكتب، ووصولاً إلى ضعف الحضور في الندوات والفعاليات الأدبية.
ويطرح الكرت سؤالاً: لماذا حدث ذلك؟ ويجيب: لأن الجيل الجديد نشأ منذ نعومة أظفاره في بيئة مختلفة، يتعامل فيها مع التقنية، ووسائل التواصل والشاشات بوصفها جزءاً أساسياً من حياته اليومية، لافتاً إلى أن استعادة الشغف بالكتاب والندوة والمعرض لا تعني العودة إلى الأساليب القديمة، وإنما تعني مواكبة عقول الناشئة، والوصول إليهم بالوسائل التي تتناغم مع اهتماماتهم وهواياتهم وطريقة تفكيرهم، مضيفاً: هنا تبرز الحاجة إلى مشروع ثقافي كبير يستفيد من التجارب العالمية في صناعة الثقافة، ويعيد تقديم الموروث الثقافي بأساليب مبتكرة، مشيراً إلى أنه لو اتجهت المؤسسات الثقافية إلى تحويل كثير من الحكايات الشعبية، والسير، والأساطير، والشخصيات التاريخية إلى ألعاب إلكترونية وأفلام قصيرة وتجارب تفاعلية، فإنها ستتمكن من الوصول إلى الشباب في المساحة التي يقضون فيها وقتهم اليوم.
وعبّر الكرت عن أسفه لأننا نستورد كثيراً من المنتجات الثقافية، بينما يقف أبناؤنا أمام الشاشات يتلقون ثقافات الآخرين، فلماذا لا نصنع نحن المحتوى الذي يجمع بين التقنية والهوية، ويقدم موروثنا الثقافي بلغة العصر؟
ورجّح أن يظل العزوف عن بعض الندوات قائماً ما لم تتغير طريقة تقديم الثقافة، كون المطلوب ليس إعادة الشباب إلى الكتاب بالطريقة القديمة، بل أن نأخذ الكتاب والثقافة والموروث إليهم، بالوسائل التي يفهمونها ويحبونها وتتناغم مع الظروف الحياتية، ثم نعيد بناء علاقتهم بالقراءة والمعرفة والفعاليات الثقافية من جديد.
وعدّ الكاتب محمد إبراهيم الفلاح، القراءة مكوّناً أساسياً في حياة البشر، إلا أن المشكلة تكمن في طبيعة العصر والأدوات التي يجب أن تتجلى لدى الدوائر الثقافية في شكل فعاليات جاذبة بمحتوياتٍ قريبة من الحياة اليومية وأفكار تفتح أمام العقل آفاقاً أرحب.
ويرى أن حلّ معضلة الثقافة يتمثل في، اختيار قاعاتٍ في وسط أماكن حركة الجمهور والوصول لها لا يستغرق وقتاً، وتحديد أوقات عقد الندوات أيام الإجازات وبعد انتهاء مواعيد العمل، والإعلان عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو اللافتات. وتطلّع إلى أن يسبق الفعالية، عرض موسيقي وتُدعى للحضور شخصية أدبية أو فنية أو سياسية مرموقة.
منى المالكي: فقدان القدرة على الإغواء
ترى عميدة كلية الفنون الجميلة في جامعة الملك سعود الدكتورة منى المالكي، أنه حين تفقد الثقافة قدرتها على الإغواء، فإن السؤال لا يكون موجهاً إلى الجمهور: لماذا لم تعد تحضر؟ بل سؤال المؤسسات الثقافية لنفسها: ماذا نقدّم له كي يعود؟ مؤكدةً أن الجمهور لم يفقد شغفه بالثقافة، قدر ما أصابه الإرهاق من تكرار الصيغ والأسماء والأسئلة، ندوة تشبه التي سبقتها، ومتحدثون يتنقلون بين المنصات ذاتها، وحوار يعرف المتلقي خاتمته قبل أن يبدأ.
ولفتت إلى أنه عندما تتحوّل المناسبة الثقافية إلى جدول مزدحم بالمحاضرات، بدلاً من أن تكون تجربة للاكتشاف والدهشة والاختلاف، يصبح الغياب موقفاً مفهوماً لا عزوفاً عن الثقافة.
وتذهب المالكي إلى أن معارض الكتب تحديداً لم تعد تستطيع الاتكاء على الكتاب وحده، فالكتاب أصبح يصل إلى قارئه بضغطة شاشة. وأرجعت تحفيز الإنسان للخروج من منزله إلى اللقاء الحي، والفكرة الجريئة، والمناظرة الحقيقية، والكاتب الذي لم يُستهلك، والموسيقا والمسرح والفنون البصرية، وفضاءات القراءة والنقاش، والفعاليات التي تمنح الزائر شعوراً بأنه مشارك في صناعة المشهد لا مجرد رقم في إحصاءات الحضور.
وأوضحت المالكي أن استعادة الشغف تحتاج إلى إعادة الاعتبار للمفاجأة الثقافية، بتقديم وجوه جديدة، وأجيال مختلفة، وتخصصات تتقاطع، وأن يجاور الروائي المخرج، والشاعر الموسيقي، والناقد المصمم، والفيلسوف عالم التقنية، فالثقافة المعاصرة لم تعد جزراً منفصلة، والجمهور نفسه أصبح أكثر تركيباً وفضولاً.
وأضافت: أما الندوات، فربما آن لها أن تتحرر قليلاً من منصة طويلة يتحدث فوقها ثلاثة أشخاص ويصمت أمامها 100 شخص، كون الحوار الثقافي الحقيقي يحتاج إلى اختلاف، وأسئلة غير مرتبة سلفاً، ومساحة للجمهور، وقضايا تمس حياته وأسئلته الراهنة، لافتةً إلى أن الشغف لا يُستعاد بكثرة الفعاليات، بل بجودة الدهشة، إذ حين يعود الزائر من معرض كتاب أو أمسية وهو يحمل سؤالاً جديداً، أو كتاباً لم يكن يعرفه، أو فكرة أقلقته، أو صداقة بدأت على هامش ندوة، عندها فقط تكون المناسبة الثقافية نجحت، كون الثقافة التي نشتاق إلى العودة إليها ليست تلك التي تقول لنا: تعالوا، لدينا فعالية، بل التي تجعلنا نقول من تلقاء أنفسنا: ماذا سنفقد إنْ لم نذهب؟

