في خطوة استراتيجية تسعى إلى حفظ التراث الفقهي والشرعي، عقدت الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالتعاون مع دارة الملك عبدالعزيز الورشة العلمية الأولى ضمن المبادرة الوطنية الشاملة المتخصصة في توثيق تاريخ الإفتاء في المملكة. وجرت أعمال الورشة بمقر الرئاسة في مدينة الرياض بحضور نخبة من كبار العلماء والمؤرخين والباحثين المختصين، إلى جانب مشاركة آخرين عبر تقنيات الاتصال المرئي، وذلك تفعيلاً لمذكرة التعاون المشتركة التي تهدف إلى حفظ الرصيد الفقهي والعلمي، وتأطير المراحل التاريخية المتعاقبة التي مر بها الإفتاء منذ عهد الدولة السعودية الأولى وحتى عصرنا الحاضر.
أهمية توثيق تاريخ الإفتاء في المملكة والأهداف المنهجية
ناقشت جلسات الورشة العلمية الإطار المنهجي الشامل للمشروع الوطني، محددة المراحل التاريخية والزمنية المختلفة. وشملت آليات العمل حصر كافة المصادر والوثائق الشرعية، والفتاوى المكتوبة، والرسائل والمخطوطات ذات الصلة، تمهيداً لجمعها ودراستها وفهرستها ورقمنتها وفق أحدث التقنيات الحديثة. كما ركز المشروع على توثيق سير المفتين والعلماء الأفذاذ الذين أسهموا بشكل فاعل في بناء التراث الفقهي، ورصد تحول العمل المؤسسي للإفتاء وتطوره عبر العقود حتى تأسيس هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للفتوى.
وأكد الأمين العام لهيئة كبار العلماء والأمين العام للجنة الدائمة للفتوى، المشرف العام على مكتب المفتي العام للمملكة، الشيخ الدكتور فهد بن سعد الماجد، أن هذه الورشة تجسد البداية العملية المنظمة لتكامل الجهود بين الرئاسة العامة والدارة، وتحويل مذكرة الشراكة إلى منتج علمي رصين يستفيد من عمق الرئاسة الشرعي وخبرة الدارة التوثيقية والشفهية.
جذور المؤسسة الفقهية وتطورها المنهجي عبر العقود
وأوضح الشيخ الدكتور فهد الماجد أن الإفتاء في المملكة لم يكن طوال تاريخه الممتد مجرد جهود فردية معزولة، بل كان نهجاً متصلاً ومؤسسياً منذ أن تأسست الدولة السعودية الأولى؛ حيث حمل العلماء الأجلاء هذه الأمانة العظيمة جيلًا بعد جيل. واستمر هذا النهج الفقهي المتزن حتى تشكلت المؤسسات الفتاوية الحديثة التي تسير وفق قواعد تنظيمية وهيئات ولجان مختصة. وشدد على أن التوثيق العلمي يعبر عن الوفاء الكبير للعلماء الذين خدموا الدين والوطن، ويخلد مسيرة مؤسسة الإفتاء كإحدى الركائز الأساسية للدولة.
وتحظى أعمال هذا المشروع بمتابعة وإشراف مباشر من سماحة المفتي العام للمملكة، ليكون مرجعاً تاريخياً وفقهياً شاملاً يعتمد عليه الباحثون والأجيال القادمة، مبرزاً منهج الوسطية والاعتدال والتسامح الذي اتسمت به الفتاوى والآراء الشرعية في المملكة العربية السعودية.
الأثر العلمي والتأثير المتوقع للمشروع محلياً ودولياً
يحمل هذا المشروع العلمي أبعاداً وثيقة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية؛ فمن الناحية المحلية يرسخ المشروع الهوية الفكرية والشرعية للمملكة، ويوثق المرجعية الفقهية التي ساهمت في استقرار المجتمع وتنظيم شؤونه وفق أحكام الشريعة الإسلامية. أما على المستوى الإقليمي والدولي، فيسهم مشروع التوثيق في تقديم النموذج السعودي في إدارة الفتوى العلمية القائمة على الدليل والاجتهاد المنضبط، مما يعزز حضور المملكة كمرجعية إسلامية عالمية في إشاعة الفكر الوسطي ومكافحة الغلو والتطرف.
ومن المتوقع أن تثمر أعمال هذا المشروع عن إصدار سلسلة من المخرجات العلمية، تشمل الموسوعات الفقهية، والدراسات التاريخية التوثيقية، والقواعد البيانات الرقمية المتاحة للباحثين والدارسين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، مما يضمن استدامة هذا الإرث العلمي ونقله للأجيال القادمة بكفاءة وموضوعية.
The post تفاصيل مشروع توثيق تاريخ الإفتاء في المملكة العربية السعودية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












