تتصاعد موجة حادة من احتجاجات الغضب في أوروبا لتجتاح العواصم والمدن الكبرى، مدفوعة بارتفاع قياسي في أسعار الوقود والغذاء، وتفاقم أزمات الإسكان، وتراجع كفاءة الخدمات العامة، وسط استياء شعبوي ونقابي واسع من تدهور الأجور والأوضاع التعليمية. وقد تحولت شوارع عدة دول إلى ساحات للمواجهات الشديدة وأعمال الشغب، مما أسفر عن موجة اعتقالات وإصابات وعمليات تخريب، متزامنة مع استحقاقات انتخابية مفصلية وتزايد مخاوف القادة الأوروبيين من صعود أحزاب اليمين المتطرف التي تسعى لاستغلال هذا الغضب الشارعي لتعزيز نفوذها السياسي.
خلفية الأزمة: أسباب تفاقم احتجاجات الغضب في أوروبا
تأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة في ظل خلفية معقدة تعيشها القارة العجوز منذ أعوام، حيث تجمعت تداعيات التضخم المالي وأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب المستمرة في أوكرانيا، لتلقي بظلالها الثقيلة على القدرة الشرائية للمواطنين. وتواجه الحكومات الأوروبية ضغوطاً غير مسبوقة لتحقيق التوازن بين تقديم المساعدات المالية لكييف وبين التصدّي للارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة الداخلية، وهو ما أوجد بيئة خصبة للاحتجاجات الاجتماعية والحركات النقابية التي تتسع رقعتها يوماً بعد يوم.
مواجهات واعتقالات واسعة في فرنسا وإيطاليا
في فرنسا، بدأت التحركات بمطالب طلابية لتطوير المدارس وزيادة الموارد المالية، سرعان ما تطورت إلى مظاهرات حاشدة شملت الاحتجاج على تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات الأساسية بمشاركة النقابات. وأعلنت السلطات حظراً جزئياً للتجوال في مناطق بالعاصمة باريس ومدن أخرى عقب اضطرابات شهدت أعمال نهب وإحراق لمدارس ومبانٍ حكومية في باريس ومارسيليا وليون وبوردو. كما التهمت النيران مبنى البلدية التاريخي في مدينة ليموج، وأسفرت الاضطرابات عن توقيف أكثر من 2400 شخص وإصابة المئات. وفيما أدينت أعمال العنف من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون، حمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المهاجرين مسؤولية التخريب داعياً فرنسا لإغلاق حدودها، رغم عدم إسناد السلطات الفرنسية الأحداث إليهم.
ولم تكن إيطاليا بمعزل عن هذا التوتر؛ إذ تظاهر الآلاف بدعوة من حركة “إيطاليا في الساحات” للمطالبة بتحسين الرعاية الصحية والتعليم ورفع الأجور. وتحولت المسيرات في تورينو وبولونيا وميلانو إلى مواجهات مع الشرطة وإحراق للممتلكات، حيث أوقفت شرطة ميلانو 271 شخصاً معظمهم قاصرون، وإصابة 14 عنصراً أمنياً خلال يومين.
أزمة السكن في إسبانيا والبرتغال وحراك البلقان
وفي شبه الجزيرة الإيبيرية، اشتعلت الشوارع الإسبانية بسبب ارتفاع الإيجارات؛ حيث أضرب معلمو المدارس في مدريد ونُصبت الخيام في ساحة “بويرتا ديل سول”. وتوسعت الاحتجاجات إلى برشلونة التي تعاني من ضغوط السياحة المفرطة، حيث يبلغ الحد الأدنى للأجور في إسبانيا 1221 يورو، مقابل متوسط إيجار شهري يصل إلى 1130 يورو لشقة بمساحة 80 متراً مربعاً. كما شهدت مدينتا لشبونة وبورتو في البرتغال تظاهرات مماثلة ضد غلاء السكن.
وفي منطقة البلقان، تتواصل الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا بمشاركة طلابية للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما ومكافحة الفساد، مع تصاعد الاشتباكات بسبب حركة “فلامينغو” المناهضة لمشاريع سياحية مثيرة للجدل. أما في صربيا، فيواصل الطلاب تحركاتهم ضد الفساد بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية المقررة في 25 أكتوبر وسط منافسة محتدمة ومخاوف أمنية.
التأثيرات المتوقعة وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي
تؤشر هذه التطورات المتشابكة على مرحلة شديدة الحساسية في أوروبا؛ إذ لا تقتصر آثارها على الجانب الاقتصادي المحلي بل تمتد لتلقي بظلالها على الاستقرار السياسي للإقليم برمته. إن استمرار حالة الاحتقان الشعبي يضع الأحزاب الحاكمة تحت ضغط هائل، ويفتح المجال أمام التيارات الراديكالية واليمين المتطرف لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مما قد يغير من طبيعة السياسات الأوروبية الخارجية والداخلية والتضامن القاري مستقبلاً.
The post احتجاجات الغضب في أوروبا: مخاوف من تصاعد اليمين المتطرف appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












