تعمل تركيا على تحديد مساهمتها في دعم السعودية بمواجهة هجمات الحوثيين، ضمن اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي تجمعها بالرياض وإسلام آباد، مع تأكيد استمرار مساندتها للمملكة واستبعاد مشاركتها في عمليات هجومية داخل دول أخرى.
اعلان
اعلان
والثلاثاء، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استمرار وقوف بلاده إلى جانب الرياض في مواجهة هجمات أنصار الله الحوثيين، بينما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يعتقد أن أنقرة ستشارك في مواجهة الجماعة إذا طلب منها ذلك.
وتأتي التصريحات مع اقتراب عرض اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تجمع أنقرة بالرياض وإسلام آباد، على البرلمان التركي للتصديق عليها.
وتضع هذه التطورات حدود الدور التركي في صلب النقاش، إذ تؤكد أنقرة استعدادها لتعزيز الدفاعات السعودية، لكنها تستبعد إرسال قوات لتنفيذ عمليات هجومية في أراضي دول أخرى، فيما تبحث الدول الثلاث ترتيبات توفير القدرات العسكرية ونشرها في المملكة.
وفي تصريح ليورونيوز، يرى الدكتور أحمد إشجان، نائب مدير مركز الشؤون الدبلوماسية والدراسات السياسية “ديبام” (DİPAM)، أن تركيا لا تبدو قريبة من تدخل مسلّح في إطار التحالف، لكنه يتوقع اتساع الدعم التقني إذا استمرت الهجمات على السعودية، بالتوازي مع العمل الدبلوماسي.
أردوغان يؤكد المساندة وترامب يطرح احتمال المشاركة
وقالت الرئاسة التركية إن أردوغان ندد، خلال اتصال هاتفي بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بأشد العبارات بهجمات الحوثيين، وأكد أن تركيا ستواصل الوقوف إلى جانب المملكة، معربًا عن ثقته في تجاوز هذا التحدي.
وجاء الاتصال بعد هجمات متتالية على مطار الرياض الدولي، إذ أسفر هجوم السبت عن مقتل 13 شخصًا وإصابة أكثر من 300، وأعقبه هجوم الأحد قتل شخصًا وأصاب نحو 12 آخرين.
وفي اليوم نفسه، قال ترامب للصحافيين خارج البيت الأبيض إنه يعتقد أن تركيا ستنضم إلى القتال ضد الحوثيين إذا طلب منها ذلك، واصفًا أردوغان بأنه “صديق عظيم”، ومضيفًا أنه “سيفعل ما أطلبه”.
ولم يعلن الرئيس الأمريكي أنه وجّه طلبًا بالفعل أو تلقى موافقة تركية. كما أكد إجراء محادثة مع محمد بن سلمان، لكنه امتنع عن توضيح ما إذا كانت واشنطن ستقدم دعمًا عسكريًا إضافيًا للسعودية أو توجه ضربات للحوثيين المتحالفين مع إيران.
وتعكس تصريحات أردوغان استمرار التأييد التركي للرياض، بينما تطرح تصريحات ترامب احتمالًا لم تؤكده أنقرة، ويظل مختلفًا عن حدود المشاركة التي أعلنها وزير خارجيتها هاكان فيدان في وقت سابق.
التصديق البرلماني يقترب.. والدعم الحالي ثنائي
وقعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك في أغسطس/آب، ونصت على أن أي هجوم على إحدى الدول الأطراف يعتبر هجومًا عليها جميعًا.
ويُقدَّم الدعم التركي للسعودية حتى الآن في إطار ثنائي إلى حدّ كبير، بانتظار عرض الاتفاقية على البرلمان خلال الأيام المقبلة للتصديق عليه.
وكان وزير الخارجية هاكان فيدان قد أعلن، منذ نحو أسبوع، أن العمل على إحالة النص إلى البرلمان قد اكتمل إلى حد كبير، وأن المسؤولين يعتزمون تقديمه بأسرع وقت. وقال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، عمر جيليك، إن الخطوات اللاحقة ستتضح بعد عرضه للتصديق.
ونقلت رويترز عن مسؤولين توقعهم اتساع حجم الدعم وطبيعته بعد الموافقة البرلمانية، من دون إعلان تفاصيل نهائية بشأن القوات أو المعدات أو مهامها.
في المقابل، لا يتوقع الدكتور أحمد إشجان، نائب مدير مركز الشؤون الدبلوماسية والدراسات السياسية “ديبام” (DİPAM)، تغيرًا عمليًا كبيرًا بمجرد التصديق، معتبرًا أن توقيع الرئيس يحدد بالفعل وضع التحالف على أرض الواقع.
أمانة عامة ولجنة سياسية وعسكرية
وبدأت الدول الثلاث العمل على بناء مؤسسات هذا التحالف منذ توقيع الاتفاقية في السابع من أغسطس. وهي تضم اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في الدول الأعضاء.
وعقدت اللجنة اجتماعها الأول في إسطنبول في 31 أغسطس، وتلاه اجتماع لوزراء الخارجية في نيويورك يوم 24 سبتمبر/أيلول، وآخر لرؤساء الأركان في الرياض في اليوم التالي.
وفي اجتماع الرياض الطارئ يوم الخامس من أكتوبر، بحث ممثلون عن أطراف الاتفاقية الهيكل الأولي لأمانة الحلف وإطار التعاون في الصناعات الدفاعية، وتقرر تعيين الضابط الباكستاني المتقاعد الفريق أول نعمان محمود كأول أمين عام للتحالف لمدة ثلاث سنوات.
كما أعلنت الدول الثلاث الاتفاق على التحرك الفوري لتنفيذ التزامات الدفاع الجماعي وضمان النشر السريع للقوات والقدرات العسكرية في السعودية.
وقالت وزارة الدفاع التركية إن ترتيبات القوات والقدرات التي يمكن لأنقرة توفيرها ستُدار وفق الدستور والتشريعات الوطنية.
فيدان: دفاع مشترك وليس عمليات هجومية
كما حدد فيدان الموقف التركي المعلن عبر التأكيد على أن الاتفاق دفاعي، وأن الوفود العسكرية تدرس احتياجات السعودية، خصوصًا في الدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية والدعم الفني.
وقال الوزير إن الدول الأطراف تقف إلى جانب العضو الذي يتعرض لهجوم في مسعى للدفاع عنه، مشددًا على أن تركيا لن ترسل قوات إلى دولة أخرى لشن هجمات على أراضيها.
وأشار فيدان إلى أن القوات الحكومية اليمنية تقاتل بالفعل على الأرض بدعم سعودي، ما يضع المساهمة التركية المعلنة ضمن تعزيز دفاعات المملكة، من دون إعلان مشاركة هجومية داخل اليمن.
ويرى إشجان أن هذا الموقف يعكس ميل أنقرة إلى الحفاظ على مجال للموازنة والوساطة، مستشهدًا بدورها في الحرب الروسية الأوكرانية.
ويقول ليورونيوز إن “تركيا لا تبدو قريبة من تدخل عسكري في إطار حلف مكة”، مضيفًا أن التحالف يحتاج إلى وقت لبناء مؤسساته قبل اتخاذ خطوة بحجم التدخل العسكري المباشر.
دعم تقني قد يتسع مع استمرار الهجمات
ونقلت رويترز عن مسؤولين قولهم إن المساعدة التركية تشمل المعدات العسكرية وأنظمة الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بينما أشار مسؤول أمريكي مطلع إلى دعم التخطيط الاستراتيجي واللوجستيات ومشغلي الطائرات المسيّرة، إضافة إلى المراقبة والاستطلاع وتحسين التدابير الدفاعية.
ولم تحدد هذه الإفادات أعداد الأفراد أو مواقع عملهم، ولم تتضمن تأكيدًا على مشاركة قوات تركية في عمليات قتالية مباشرة داخل اليمن.
وقال إشجان إن حجم الدعم التقني يمكن زيادته ليصبح مؤثرًا بقدر التدخل المسلح لصالح التحالف. وأضاف: “إذا استمرت هجمات الحوثيين على السعودية، فمن المرجح توسيع نطاق ما نسميه دعمًا تقنيًا إلى درجة تؤثر في مسار الأحداث، بينما تعمل تركيا في الوقت نفسه على المسار الدبلوماسي لحل القضية”.
وبحسب تحليله، يمكن للمساندة التقنية أن تحقق أثرًا عسكريًا كبيرًا من دون انتقال أنقرة إلى عمليات هجومية مباشرة.
تعهد بالنشر السريع دون تفاصيل تركية نهائية
وأعلنت الدول الثلاث، عقب اجتماعها في الرياض في الخامس من أكتوبر، الاتفاق على التحرك الفوري لتنفيذ التزامات الدفاع الجماعي وضمان النشر السريع للقوات والقدرات العسكرية في السعودية.
وقالت وزارة الدفاع التركية إن الاجتماع بحث التدابير اللازمة لتوفير هذه القوات والقدرات، إلى جانب تطوير الآليات السياسية والإدارية والعسكرية والتعاون في الصناعات الدفاعية.
لكن الإعلان الجماعي لا يحدد مساهمة كل دولة على حدة، ولم تُعلن أعداد قوات تركية أو تشكيلاتها أو مهامها أو جدول انتشارها.
ومنذ توقيع الاتفاق، عقدت الدول الأعضاء اجتماعات لوزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان، وبدأت بناء مؤسسات الحلف، بما يشمل أمانته وآليات تنسيقه. ويرى إشجان أن هذه العملية تدعم ترجيحه اتباع أنقرة خطوات تدريجية بدل الانتقال سريعًا إلى تدخل عسكري مباشر.
العلاقة مع إيران أداة مزدوجة للمساندة والتهدئة
إن دعم السعودية ضد جماعة متحالفة مع إيران يضع تراكيا أمام اختبار الحفاظ على قنوات التواصل مع الجمهورية الإسلامية، خصوصًا إذا اتسعت المواجهة.
ويرى إشجان أن علاقة أنقرة بطهران تساعدها على مساندة الرياض، قائلًا: “ستتمكن تركيا من تقديم أكبر مساهمة للسعودية من خلال الحفاظ على علاقتها بإيران”.
وأوضح أن قوة تركيا في المنطقة تستند إلى صناعتها الدفاعية وعلاقاتها الدبلوماسية المتعددة الأطراف والأبعاد، معتبرًا أنها تسعى إلى التوازن وتؤمن بأنه يخدم مصالح المنطقة. وأضاف: “إذا كان هناك طرف واحد قادر على تخفيف التوتر بين إيران والسعودية، فهو تركيا”.
واستشهد بموقف أنقرة خلال الأزمة الخليجية وعلاقاتها مع قطر، وبنهجها في أزمات الصومال وإثيوبيا والسودان والإمارات، معتبرًا أن السعي إلى التوازن كان حاضرًا في هذه الملفات.
وفي وصفه لأدوار الدول الثلاث، قال إن باكستان تمثل القوة العسكرية، والسعودية القوة الاقتصادية، وتركيا القوة الدبلوماسية.
وكان فيدان قد أعلن عقب اجتماع الرياض أن الدول الثلاث بحثت أيضًا ما يمكن فعله لحل القضية سلميًا عبر الحوار، واصفًا النهج السعودي بأنه بنّاء.
وفي أحدث تطور، بحث وزير الخارجية التركي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي الثلاثاء، التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى إيجاد حلول للصراعات المستمرة، بحسب مصادر في الخارجية التركية.
إشجان يربط التحالف بتوجه نحو الترتيبات الإقليمية
من جهة أخرى، قال إشجان إنه لا يجب النظر إلى حلف مكة باعتباره مبادرة منفصلة عن التطورات الدولية، معتبرًا أن تراكم الأزمات عزز الشعور بوجود “فراغ في الهيمنة”، وشجع الاتجاه نحو ترتيبات إقليمية.
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى توسع دور الاتحاد الأوروبي في المجال العسكري ومبادرة “مرفق السلام الأوروبي”، وإلى تعزيز الصين مجال نفوذها في آسيا، بوصفها أمثلة على هذا الاتجاه.
ورأى أن رسالة شعار “أمريكا أولًا”، خصوصًا في عهد ترامب، تدفع القوى الإقليمية إلى الاعتماد على نفسها، معتبرًا أن حلف مكة يجمع ثلاث قوى مؤثرة بهدف بناء الاستقرار من خلال دول المنطقة نفسها.
العلاقة بحلف الناتو وأمن البحر الأحمر
كما اعتبر إشجان أن تركيا تستطيع إدارة توافق التحالف مع التزاماتها داخل الناتو، وأن التحركات التركية نحو الاستقرار تتيح للحلف، الذي يواجه ضغوطًا من روسيا، مساحة أكبر.
ووصف اتفاقية مكة بأنها استثمار تركي في الدبلوماسية أكثر من كونها اتفاقًا عسكريًا، معتبرًا أن الاتجاه نحو الترتيبات الإقليمية أصبح أكثر قبولًا. وهذه قراءة للمحلل، وليست موقفًا رسميًا صادرًا عن الناتو.
وبالتوازي، وافقت أنقرة على الانضمام إلى تحالف بقيادة السعودية لضمان سلامة الملاحة في البحر الأحمر، فيما شنت القوات الحكومية اليمنية، بدعم جوي سعودي، هجومًا مضادًا لاستعادة مناطق استراتيجية قرب مضيق باب المندب.
وقال مسؤولون باكستانيون وإقليميون لرويترز إن أنقرة وإسلام أباد زودتا الرياض بمعدات تستخدمها المملكة في اليمن، من دون تقديم تفاصيل عن الأطقم التي تشغّلها.












