يستأنف الطلاب في فرنسا احتجاجاتهم بعد عطلة نهاية الأسبوع، في حراك يضع حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون أمام ضغوط متزايدة.
اعلان
اعلان
ويتوقع أن يشارك عشرات الآلاف في تظاهرات تشهدها باريس ونحو ثلاثين مدينة أخرى الثلاثاء. ومنذ ساعات الصباح، بدأ طلاب بإغلاق عدد من المدارس في العاصمة.
وتستعد السلطات لنشر نحو ألفي شرطي ودركي لتأمين المظاهرة المقررة بعد الظهر، بعد أعمال عنف وتخريب ومواجهات شهدتها بعض التحركات خلال الأيام الماضية.
ويبقى السؤال ما إذا كانت أعمال العنف التي تظهر على هامش التظاهرات ستتصاعد، فتزيد من حدة المواجهة بين الطلاب وقوات الأمن، وما إذا كانت الحكومة سترد بمزيد من التشدد الأمني.
وبحسب وزير الداخلية، أوقفت الشرطة أكثر من خمسة آلاف شخص خلال الأسبوع الماضي، 85% منهم من القاصرين. ومنذ انطلاق الحركة، أصيب 215 طالبًا وأكثر من 700 من عناصر الأمن ونحو مئة من العاملين في قطاع التعليم.
كما فتحت المفتشية العامة للشرطة الوطنية عشرة تحقيقات منذ بدء الاحتجاجات، على خلفية تدخلات أمنية أثارت جدلًا واسعًا. وفي واحدة من أخطر الحوادث، فقد طالب يبلغ 16 عامًا البصر بإحدى عينيه خلال إغلاق مدرسة في مدينة تور، فيما بُترت يد مراهق يبلغ 15 عامًا الاثنين جراء قنبلة أطلقتها الشرطة في مدينة لنس شمال البلاد.
ويواجه الحراك اختبارًا جديدًا الثلاثاء، مع دعوة نقابة “سي جي تي”، إحدى أبرز النقابات العمالية في فرنسا، العاملين إلى الانضمام إلى الاحتجاجات، فيما قرر عدد من المعلمين وأولياء الأمور المشاركة للمساعدة في تأمين التظاهرات ومنع انزلاقها إلى أعمال عنف.
كيف بدأت الاحتجاجات؟
انطلقت شرارة التحركات في 17 سبتمبر/أيلول من منطقة باريس، وتحديدًا من كريتاي في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة، حيث احتج معلمون وطلاب على نقص الموظفين في إحدى المدارس الثانوية.
وسرعان ما امتدت الإضرابات عن الدراسة وإغلاق المدارس والتظاهرات إلى ضواحٍ أخرى في باريس، ثم إلى مناطق مختلفة من البلاد، وصولًا إلى مدارس ثانوية في مدن صغيرة.
ومن أصل نحو 3700 مدرسة ثانوية في فرنسا، شهدت 589 مدرسة اضطرابات الاثنين، بعدما كان العدد يقارب 800 مدرسة الجمعة، وفق بيانات وزارة التعليم.
وأُغلقت مئات المدارس بسبب الأضرار أو الاعتداءات التي استهدفت العاملين فيها، ومن المتوقع أن يبقى عدد منها مغلقًا مطلع الأسبوع.
ولم تعد التحركات مقتصرة على طلاب المدارس الثانوية، إذ يُنتظر أن ينضم إليهم طلاب الجامعات الثلاثاء. وكان اتحاد الطلاب قد أحصى إغلاق 32 موقعًا جامعيًا الاثنين، في مؤشر إلى احتمال اتساع نطاق الحركة.
ماذا يريد الطلاب؟
يقول المحتجون إن ظروف التعليم تختلف بشكل كبير بين المناطق، وإن الطلاب في الأحياء الأقل حظًا لا يحصلون على المستوى نفسه من التعليم والبنية التحتية وفرص التقدم المتاحة لغيرهم.
وتتركز الشكاوى على تهالك بعض المباني المدرسية، واكتظاظ الصفوف، ونقص الكوادر، وغياب معلمين من دون توفير بدلاء لهم، خصوصًا في الأحياء الشعبية.
ورفع المحتجون في كريتاي لافتات كتب عليها “الكثير من أوجه عدم المساواة، لقد سئمنا”، و”التعليم حق وليس امتيازًا”، و”عذرًا على الإزعاج، الأمر يتعلق بمستقبلنا”، وفق صور نشرتها النائبة كليمانس غيتي.
وقالت صوفي بوردي، وهي مدرسة أدب في باريس تبلغ 50 عامًا، إن ظروف الدراسة “تدهورت بشكل كبير”، داعية إلى تسليط الضوء على ما يواجهه الطلاب والمعلمون داخل المدارس.وفي مناطق أخرى، اشتكى طلاب من ارتفاع درجات الحرارة داخل صفوف تفتقر إلى أجهزة التكييف صيفًا، ومن البرد خلال فصل الشتاء. كما عرضت وسائل إعلام فرنسية مقاطع من مدارس متهالكة تظهر جرذانًا وأسقفًا متضررة وتسربات للمياه وأثاثًا محطمًا.
ورغم هذه الشكاوى، يحظى التعليم بإحدى أكبر مخصصات مشروع موازنة حكومة ماكرون لعام 2027، إذ خُصص للمدارس 65.5 مليار يورو، مقارنة بـ63.4 مليار يورو مقترحة لقطاع الدفاع.
كما يعترض الطلاب على طول اليوم الدراسي. ففي المدارس الثانوية، تبدأ الحصص غالبًا عند الثامنة صباحًا وقد تستمر حتى بداية المساء، فيما تُعد ساعات الدراسة الإلزامية في المرحلة الثانوية الفرنسية من بين الأعلى في أوروبا، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي.
ولخصت إحدى الطالبات هذه الشكوى في لافتة كتبت عليها: “أرى المعلمين أكثر من أسرتي”.
وتأتي الاحتجاجات أيضًا في مناخ اجتماعي متوتر، مع ارتفاع الأسعار ومساعي الحكومة لخفض الإنفاق في عدد من المجالات، بينها مساعدات يستفيد منها الشباب، مثل المساعدات السكنية.
ميلانشون يدخل على خط الاحتجاجات
وحظيت الحركة بدعم حزب “فرنسا الأبية” اليساري، إذ التقى عدد من نوابه ومسؤوليه الطلاب وأعلنوا تأييد مطالبهم، ومن بينهم النائبة كليمانس غيتي التي شاركت في التحركات الأولى في كريتاي.
كما دعا زعيم الحزب جان لوك ميلانشون أنصاره إلى الوقوف بين الطلاب والشرطة لحمايتهم، منتقدًا استخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق المحتجين، ومتهمًا عناصرها بممارسة “الوحشية”.
في المقابل، تتهم الحكومة حزب “فرنسا الأبية” بتأجيج الاضطرابات وتحمله مسؤولية جانب من أعمال العنف. ويرفض الحزب هذه الاتهامات، معربًا عن أسفه للتجاوزات، لكنه يتهم السلطات باختزال حركة الاحتجاج فيها.
ويأتي انخراط ميلانشون في الاحتجاجات بينما يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2027 للمرة الرابعة، وسط سعيه إلى تعزيز حضوره بين الناخبين الشباب.
وكان الشباب أقل مشاركة في التصويت من فئات عمرية أخرى خلال الانتخابات الرئاسية عام 2022، ما يجعل قدرتهم على التأثير في الاستحقاق المقبل موضع اهتمام متزايد.
وقال ميلانشون الخميس إنه يريد أن يخرج الشباب من هذه التجربة “ورؤوسهم مرفوعة”، وأن يتذكروا ما عاشوه عندما يتوجهون إلى صناديق الاقتراع.












